عبد المتعال عبد الوهاب أحمد عبد الهادي الصعيدي ، عالم لغوي من علماء الأزهر الشريف وعضو مجمع اللغة العربية وواحد من أصحاب الفكر التجديدى بالأزهر ومن المناديين بالمنهج الإصلاحي في التعليم والفكر والتجديد الديني.

 نشأته :

ولد في 29 شعبان 1311 هـ الموافق 7 مارس عام 1894م بكفر النجبا، مركز أجا بمحافظة الدقهلية، عندما بلغ التاسعة التحق بكتاب القرية النظامي وتعلم هناك قواعد الخط والنحو وحفظ القرآن الكريم. بعد التحاقه بالمدارس الابتدائية النظامية التحق بالجامع الأحمدي بطنطا، وحصل على شهادة العالمية في عام 1918م، ودرس علم المنطق وكان الأول على طلاب معهد طنطا فتم تعينه مدرسًا بالجامع الأحمدي بطنطا، وفي عام 1932م انتقل للتدريس بكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف بالقاهرة.

 منهجه الفكري :

كان الصعيدي محبا للقراءة فكان يقرأ مجلة المقتطف والهلال والمنار والأستاذ والبلاغ، ورغب في دراسة الفلسفة وتاريخ العلم وأصول النقد وتاريخ الحضارة الإنسانية وقرأ مختارات جورجي زيدان. أعجب بفلسفة ابن رشد وموسوعة يعقوب صروف في تثقيف الرأى العام وكتابات عبد الله النديم.

 عرف الشيخ الصعيدي بآرائه الثورية والتجديدية، فكان يرى نظام التعليم في الأزهر مصابا بالعقم والجدب، ورأى ضرورة تطويره بما يلائم روح العصر، لتخريج جيل من الأزهريين المجددين والمبدعين والبعيدين عن الجمود والتقليد والتعصب، والذين كان يراهم المذنب الحقيقي وراء ما يظهر من كتابات المجترئين من حين لآخر، وواكب هذا دعوته إلى تطوير فقه الحدود في الشريعة الإسلامية وذلك في مقالة نشرت في جريدة السياسة الأسبوعية عام 1937م

 في عام 1919م شرع في تقديم كتابه "نقد نظام التعليم الحديث للأزهرالشريف" ونُشر في عام 1924م، وقد ألف الصعيدي 49 كتابًا مطبوعًا و20 كتابًا مخطوطًا أهداهم للأزهر مثل"تاريخ الإصلاح في الأزهر"، "حكماء اليونان السبعة"، "قضايا المرأة"، "الفن القصصى في القرآن"، ومن أشهر كتبه "المجددون في الإسلام" وهو أحد أهم الكتب التي ألقت الضوء بالنقد والتحليل علي أهم الشخصيات المجددة في الفكر الإسلامي منذ القرن الأول الهجري حتي نهاية القرن الثالث الهجري.

 وشارك الصعيدي في العديد من المساجلات والمناقشات على صفحات الجرائد اليومية والمجلات حول قضايا الأدب وتاريخه، والإعجاز البياني في القرآن، وضرورة الاجتهاد في الأصول، وخصائص الإجماع والوحدة الإسلامية، مع كبار رواد الكلمة من أمثال محمد حسنين هيكل، وطه حسين، والعقاد، والشيخ يوسف الدجوي، وعلي عبد الواحد وافي، والشيخ عيسى منون، وخالد محمد خالد، وأحمد فؤاد الأهواني، والشيخ محمد الغزالي.

 وفاته

توفي الشيخ عبد المتعال الصعيدي في 23 محرم 1386 هـ الموافق 13 مايو عام 1966م عن عمر يناهز اثنين وسبعين عامًا.


=========================


الشيخ عبد المتعال الصعيدي، ينتمي إلى أسرة صعيدية بالأساس وكان والده «عبدالوهاب» الوحيد وسط إخوته الذي يجيد القراءة والكتابة، ويحفظ القرآن الكريم؛ حيث طلب العلم في الجامع الأحمدي بمدينة طنطا، غير أنه فضل بعد ذلك أن يعود إلى العمل في الزراعة مع إخوته.
ظهر نبوغ «عبدالمتعال» مبكرًا للغاية، إذ استطاع أن يقبل على العلم بشغف كبير فحفظ القرآن الكريم في سن صغيرة، وكان متفوقًا على أقرانه، كذلك أظهر براعة فائقة في علم الحساب وغيره من العلوم الأخرى، والتحق عبد المتعال بالدراسة في المعهد الأحمدي بمدينة طنطا وأكمل تعليمه، وكان من أوائل الخريجين فيه، والتحق للعمل بالتدريس، فعمل مدرسًا في الجامع الأحمدي، وغيره من مؤسسات الأزهر.
وكان له دور كبير فى مختلف الأنشطة فى عصره من خلال مقالاته التي كان يعمل على نشرها فى مختلف الصحف والمجلات، إضافة إلى قيامه بدور بارز في عملية تطوير نظم التعليم في الأزهر؛ حيث كان من الذين نادوا بالتجديد والإصلاح فيه على الرغم مما لاقاه بسبب ذلك، وقد استمر على سياسته تلك حتى انتقل إلى جوار ربه سنة ١٣٨٦هـ/ مايو ١٩٦٦م.

وقد بلغ عدد الكتب التي ألفها عبدالمتعال الصعيدي: ٤٩ كتابًا مطبوعًا و٢٠ كتابًا مخطوطًا وعدد ٢٤ مقالا بجريدة «السياسة» الأسبوعية، وعدد ٣٨ مقالا بجريدة «البلاغ» الأسبوعي، وأهدى عدة مؤلفات للأزهر، مثل: «تاريخ الإصلاح في الأزهر، وحكماء اليونان السبعة، وقضايا المرأة، والفن القصصي في القرآن».. وأشهر مؤلفاته المتداولة والتي يمكن الحصول عليها لمن يريد هى: «المجددون في الإسلام، والقضايا الكبرى في الإسلام، ولماذا أنا مسلم»، وكتابيه الأهم والأخطر: «الحرية الدينية في الإسلام، وحرية الفكر في الإسلام».

جمع الصعيدي بين الثقافة القديمة «الموروث» والحديثة «المقتبس»، وكونه يجمع بين الثقافتين جعله لا يشعر بنقص في نفسه، كما يشعر غيره ممن يقتصر على الثقافة القديمة وحدها، فالصعيدي وكتابيه «الحرية الدينية في الإسلام»، وكتاب «حرية الفكر في الإسلام» طرح فيهما لأول مرة في تاريخ الفكر المعاصر قضية حد الردة وعدم جواز تطبيقه في العصر الحديث، وله كتاب كامل عنوانه «مع زعيم الأدب العربي في القرن العشرين»، يتناول فيه بعض كتابات «طه حسين»، والتي كانت مثار نقاشات وجدلا فكريا وثقافيا في أوائل القرن العشرين، مثل: الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة في مصر، ولكن بشكل هادئ وعقلاني.

ولم يكن هذا الكتاب هو الوحيد في الاختلاف مع طه حسين، ولكنه كتب كتيبا صغيرا تحت عنوان «اجتهاد جديد فى آية {وعلى الذين يطيقونه فدية}»، مستعيدا بما كتبه الشيخ «عبد الحميد بخيت» مفسرًا هذه الآية، باعتبارها تبيح الإفطار في شهر رمضان، وعندما ثار الأزهر وعلماء المسلمين على الشيخ بخيت، كتب الدكتور طه حسين مقالين تحت عنوان «حق الخطأ»، ودافع فيهما عن الشيخ بخيت.

اتهمه البعض بسوء فهم الإسلام..
من جانبه، قال الدكتور حسام عبدالظاهر، الباحث في التراث والتاريخ الإسلامي‏ لدى ‏دار الكتب والوثائق القومية، إنه‏ منذ سنوات عدة لفت نظره كتابات العلامة المجدد الشيخ عبدالمتعال الصعيدي، وأخذ يتتبع مقالاته في الدوريات القديمة ويقرأها متيقنًا من أن كل مقالة له بها الكثير من لمحاته التجديدية، وكان من الدوريات التى اطلع عليها جريدة «السياسة» الأسبوعية، والتى وجد بها الكثير من مقالاته.
وأضاف «عبدالظاهر»: «أرى أن الشيخ عبدالمتعال الصعيدي ظُلم حيًا وظلم ميتًا، وأن الظلم الذي حاق به جاءه من قبل جميع الاتجاهات على حد سواء، وأن فكره يحتاج إلى إعادة بحث ونظر، وهو عالم جليل، يُعد أحد الأعلام الذين يجب أن يفتخر بهم أزهر القرن العشرين، هذا من الوجهة العامة، أما الوجهة الخاصة فالأمر يحتاج إلى تدقيق قد يأتي وقت لأكتب عن الناحية التاريخية في فكر الصعيدي، وهو ما لفتني إلى كتاباته».

قليلون للغاية هم من يعرفون هذا المجدد والعالم الأزهري الجليل الشيخ عبد المتعال الصعيدي.. فالرجل يكاد يقتصر اسمه والمعرفة بحياته وتاريخه ومؤلفاته وآراؤه على النخبة، بالمعنى الحرفي والضيق للكلمة، بحيث لا أبالغ إذ أقول أن الأغلبية الكبيرة ممن تخرجوا في جامعة الأزهر وممن تصدوا للخطابة والوعظ من على منابر الأوقاف لا يعرفون كلمة واحدة عن الرجل أو اسم واحد لمؤلف من مؤلفاته القيمة. وتلك واحدة من تجليات الغيبوبة الفكرية والعلمية والثقافية في حياتنا المعاصرة، وليتها اقتصرت فقط على العوام، ولكنها للأسف امتدت لتطال من يفترض فيهم أنهم أهل التخصص وأصحاب الفن.

وعندما يكون رجلا بقامة الشيخ عبد المتعال الصعيدي المجدد التنويري، مجهولا عند هؤلاء الذين يوجهون الرأي العام الديني من على المنابر، فقل على التنوير الرسمي أو الحكومي السلام .

ويبدو أن هناك خطة مدبرة ومحكمة للتعتيم على الرجل وعدم إبرازه ليأخذ مكانه الذي يستحق في المقدمة والصدارة، للدرجة التي تجعل من كتبوا عنه وأرخوا لحياته قد اختلفوا اختلافا عجيبا في تاريخ وفاته، فبعض الباحثين ومنهم د. عصمت يؤكد وفاته سنة 1966، بينما يقطع آخرون مثل د. محمد صابرعرب بأنه قد توفى سنة1971..

تخيل فارق بين الرأيين يصل إلى خمس سنوات كاملة..
ولعل هذا التضارب يرجع إلى إهمال الباحثين الأزهريين بخاصة والمعنيين بالفكرالإسلامى بعامة بكتابات الصعيدي، فلا نكاد نلمح دراسة واحدة عن آراء هذا المفكر والعالم الأزهري الكبير.

وقد بلغ عدد الكتب التى ألفها عبد المتعال الصعيدى - هذا المنسي المجهول - 49 كتابًا مطبوعًا و20 كتابا مخطوطا أهداهم للأزهر مثل (تاريخ الإصلاح فى الأزهر)، (حكماء اليونان السبعة)، (قضايا المرأة)، (الفن القصصي فى القرآن).. وأشهر مؤلفاته المتداولة والتي يمكن الحصول عليها لمن يريد هي (المجددون فى الإسلام)، ( القضايا الكبرى في الإسلام)، ( لماذا أنا مسلم)، وكتابيه الأهم والأخطر (الحرية الدينية فى الإسلام) و(حرية الفكر فى الإسلام).

فى كتابه "المجددون فى الإسلام" يتحسرالصعيدي على أوضاع المسلمين، فيعلن استياءه من حالة التغالي والمبالغة فى العبادات وتشددهم فيها، حتى يظن الواحد أن الإسلام دين عبادات فحسب، وهو ماعبر عنه الشيخ المفكر "ابتدعوا رهبانية فى الإسلام"، منبها أن الإسلام الحقيقي هو ما يحياه الإنسان فى حياته كلها ونظرته لتلك الحياة التي ينبغي أن تكون مستنيرة، ويضرب الشيخ مثلًا باستنارة عمر بن الخطاب فى أمور الدين معتبرًا عمر بن الخطاب من المجددين، لأنه راعى التغيرات الاجتماعية فى أحكامه معطيا العقل سلطة ومساحة أكبر فى التعامل مع النصوص.

وفي ذات السياق الذي يحترم العقل الذي لا يتوقف عن المساءلة والتفكير حتى أمام الأئمة من قمم الفقه، رفض الصعيدي منطق وكلام الإمام الشافعي: "كل قرشى غلب على الخلافة بالسيف، واجتمع عليه الناس، فهو خليفة" وقال: "إن من يأخذ حقه بالسيف يكون غاصبا، وإجماع الناس عليه بعد ذلك لايصح أن يسوغ ما وقع، لأنه يكون ناشئًا عن عجزهم".

كما أخذ الشيخ على بعض الأئمة والتابعين آراءهم فيما يتصل بالكفاءة في النكاح، منها على سبيل المثال ما قاله الإمام سفيان الثوري: "إذا نكح المولى العربية يُفسخ النكاح".. والموالي هم أهل البلاد المفتوحة..وهو ذات الرأى الذي أقره الإمام أحمد بن حنبل فيما بعد،ورأى الصعيدي في ذلك نوع من العنصرية لا تتناسب مع تعاليم الإسلام، ولا آيات الكتاب الكريم ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".

وفي قمة التوازن والموضوعية يشيد الصعيدى بموقف ابن حنبل فى محنة خلق القرآن لأنه أصر على رأيه بأن القرآن غير مخلوق، وصبر على ما أصابه من الحبس والجلد، وهذه شجاعة فى الرأى يحمد عليها.. لكنه الصعيدي لا يكتفي إلى هذا الحد بل يضيف: ولكن يؤخذ عليه أنه كان يكفر مخالفيه الذين يقولون بخلق القرآن.

وعلى نفس المنوال يذكر الصعيدي ماكان من أبي الحسن الأشعري بعد تبحره فى الاعتزال، ولما تركه، صعد إلى المنبر وقال "اشهدوا علىّ أنى كنت على غير دين الإسلام. وأني قد أسلمتُ الساعة".. فانتقده الصعيدى قائلا: "وحينئذ يكون المعتزلة فى نظره كفارًا لا مسلمين. وكان الأجدر به ألا يتنكر لمذهب مكث معتقدا صوابه أربعين سنة، فلا يصح أنْ ينفى الإسلام عنهم أويقال أنهم فسّاق مسلمون، وإنما هم مجتهدون يثابون على صوابهم ويُعذرون فى خطئهم".

وفي تعرضه في نفس الكتاب ( المجددون في الإسلام) للدعوة الوهابية، يعلل الصعيدي سبب نجاحها بأنها قد ظهرت بين البدو فى إمارة عربية.

بينما لم تنجح دعوة ابن تيميه التي تعتبر النسخة الأصلية لها لأنها ظهرت فى أهل الحضر.

وقطع الصعيدي بأن الوهابية لم تكن دعوة سلمية، بل أعلنت فى سبيل تأييدها جهادا دينيا لحمل مخالفيها على الدخول فيها، فمن آمن بها سلم ومن خالف فقد حلّ دمه وماله. وعلى هذا الأساس كانت غزواتهم فى نجد واليمن والحجاز وأطراف الشام والعراق.

وذهب إلى أن الوهابيين: ((كغيرهم من جمهورالمسلمين فى ذلك الوقت كانوا يرون أنّ الإسلام لم يقم إلاّ بالسيف فلتقم دعوتهم بالسيف أيضًا)) أي أنها كانت دعوة دموية تنتهج العنف لتحقيق أهدافها.

أما كتابه القنبلة فهو ( الحرية الدينية في الإسلام)، وهو الكتاب الذي ألفه ونشره سنة 1955، ونسف فيه نسفا تاما ما تعارف عليه الفقه الإسلامي ب( حد الردة).. ولسبب تأليف هذا الكتاب قصة تستحق أن تروى في مقال خاص بها، لا مجال لتفاصيلها الآن.

وقد استهل الصعيدي كتابه بتلك السطور القوية والمعبرة:
"الحمد لله الذي فتح باب الاجتهاد في الدين، ولم يجعل الجمود سُنّة في العلم، بل فتح باب التجديد في الدين والعلم على مصراعيه، وجعل لكل قرن مجددين ينهضون بالدين والعلم فيه، حتى لا يَقفا على حد محدود، بل تسير الأمّة بهما في ركب النهوض والتجديد، ولا تتخلف عنه بالركون إلى الجمود. هذا كتاب "الحرية الدينية في الإسلام" يحوي اجتهادًا دينيًا خطيرًا، ويبين أنّ الحريّة الدينية في الإسلام عامة في دعوة غير المسلم إلى الإسلام، وفي دعوة من أسلم ثم ارتد، وقد سبقني بعض العلماء المجددين إلى ترجيح الحكم في دعوة غير المسلم إلى الإسلام، وهأنذا في هذا الكتاب ألحق به ترجيح الحكم فيمن أسلم ثم ارتد، وإني أحمد الله على توفيقي إلى ترجيح هذا الحكم فيه. لتكون الحرية الدينية ميزة للدين الإسلامي مطلقة لا استثناء فيها ".

ومما توقف أمامه الشيخ عبد المتعال في هذا الكتاب قضية الجزية، والتي فند كل أصولها، وأكد أن آية الجزية " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون "، ليست آية عامة في جميع أهل الكتاب، بل رأى أن الأمر فيها: " أمر خاص ببعض أهل الكتاب لا عام، وهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر حق الإيمان، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله من الإعتداء على الداعين إليه "، أي أن هناك عدوان واعتداء في المسألة..

وذهب إلى أنها لم تجب على الناس لكفرهم بل لحرابهم، فلهذا لم تجب على "النساء" و"الذراري" ونحوهم ممن لا يصلح للحرب، وهذا يفيد أن الجزية ليست إلا غرامة حربية وأنها لا شأن لها بكفرهم، فلا يكون لها تأثير في تركهم له، ولا يكون في فرضها عليهم أدنى وسيلة لحملهم على الإسلام، لأن الإسلام أكبر من أن يغري الناس على دعوته بالمال، يأخذه من غيره باسم الجزية، فإذا أسلم لم يأخذه منه، لأنه إذا أسلم أخذ منه الزكاة، وهي ضريبة تصاعدية تبلغ ما لا تبلغه الزكاة.

وبدأ الصعيدي يصول و يجول في سطور الكتاب الذي عرض فيه الرأي والرأي الآخر بمنتهى الأمانة والموضوعية، ثم بدأ يناقش كل الآراء ويفككها ويوازن بينهما، ليخرج بنتيجة قد رجحها واطمأن لها عقله وقلبه.. مفادها باختصار ما ذكره فيما بعد في كتابه ( حرية الفكر في الإسلام) بعد أن عرّف الحرية الدينية بأنها حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية بحيث وحسب كلمات الشيخ الصعيدي : " لا يكون لغيره حق استعمال القوة معه في دعوته إلى عقيدته، ولا يكون لغيره حق استعمال القوة معه في إرجاعه إلى عقيدته إذا ارتد عنها وإنما هي الدعوة بالتي هي أحسن في كل الحالات ".

ومن أول سطر لآخر سطر في ( الحرية الدينية في الإسلام ) يقر الصعيدي ما جاء في آيات القرآن الكريم حول الارتداد عن الدين وأن الآيات لم تذكر أي عقوبة على ذلك.. ثم يلح الرجل على استمرار مفعول آية "لا إكراه فى الدين"، وإبطال دعوى أنها منسوخة.. وفي لمحة في غاية الذكاء يقول الصعيدي: ( إن إكراه المرتد على الإسلام بالقتل أو الحبس داخل قطعا في عموم قوله تعالى "لا إكراه فى الدين" لأن الإكراه في الدين كما يكون في الابتداء يكون في الدوام، وكما لا يصح الإكراه على الدين في الإبتداء لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسدا، كذلك الإكراه على الدين لا يصح في الدوام لأن الإسلام الذي يحصل به يكون فاسدا".
كما قام الصعيدي بعرض الأحاديث التي وردت في عقوبة المرتد مثل "من بدل دينه فاقتلوه"، و " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث..."، ورأى أنها تحتاج إلى تأويل وفهم أوسع، واستدل بالرأي القائل بعدم قتل المرتدة، وهو ما يعنى أن قتال المرتد لا يصح إلا إذا حارب المسلمين.
والكتاب في مجمله، يستحق القراءة كاملا من أول كلمة إلى آخر كلمة، لأهمية موضوعة ولبراعة المؤلف في تناوله و سبقه وعبقريته في عرض وجهة نظره.. التي تجعلنا نعترف أنه كان الأسبق بين المحدثين في تناول هذه القضية الحساسة والشائكة بهذا العمق وهذا الذكاء والإنتهاء إلى عدم وجود ما يسمى بحد الردة، وأن كل من قالوا بهذا الرأي وانتهوا إليه في عصرنا هذا، إن لم يكونوا قد قرؤوا كتاب الشيخ عبد المتعال وتأثروا به، فهم في كل الأحوال تابعون لسبقه وريادته في هذا الرأي الذي ينفي عن الإسلام تهمة القهر والجبرية والإكراه.

هذا هو الشيخ عبد المتعال الصعيدى وفكره التجديدي وكتبه ذات الطابع الثوري التنويري التي لن يرضى عنها المستبدين باسم السلطة أو المتسلطين باسم الدين.!!