-->
النجباء النجباء
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

الأمن الغذائي العربي بين الحاضر والمستقبل



الأمن الغذائي العربي بين الحاضر والمستقبل



يعد الأمن الغذائى أحد جانبي الحياة للنفس الإنسانية، بينما يمثل الجانب الآخر الأمن النفسي، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الحقيقة في قوله تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش 3-4) . فمن خلال توافر الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، تكون للدول الحرية الكاملة في سياستها، وقرارتها، وتكون للشعوب الحياة الكريمة الطيبة بعيداً عن شبح الجوع والفقر والحرمان والخوف .




وقد عرف إعلان تونس الصادر في يناير/كانون الثاني 1996 الأمن الغذائي العربي بأنه: يعني توفير الغذاء بالكمية والنوعية اللازمتين للغذاء والصحة بصورة مستمرة لكل أفراد الأمة العربية اعتماداً على الإنتاج المحلي أولاً على أساس الميزة النسبية لإنتاج السلع الغذائية لكل دولة عربية، وإتاحته للمواطنين العرب بأسعار تتناسب مع دخولهم وإمكاناتهم المادية . وفي هذا الإطار يمكن القول إن الأمن الغذائي بصورة مبسطة يعني توفير الغذاء الملائم لكافة أفراد المجتمع بشكل دائم ومستمر وفي كل الأوقات، لممارسة حياة فاعلة وصحية .

ويكشف واقع الأمن الغذائي العربي عن وجود حالة عجز غذائي متنامٍ، فحجم الإنتاج العربي من المواد الغذائية لا يكفي لتغطية الاستهلاك المحلي العربي وهو ما يستدعي اللجوء إلى الاستيراد لتغطية هذا العجز ويعكس ذلك قيمة الواردات العربية من مجموعات السلع الغذائية الرئيسة، حيث يشير تقرير أوضاع الأمن الغذائي العربي 2008 الصادر عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى ارتفاعها من نحو 28 .27 مليار دولارفي العام 2006 إلى نحو 70 .32 ملياردولارفي العام ،2008 بنسبة ارتفاع نحو 8 .19% . كما تشير بعض التقديرات إلى أن الدول الخليجية وحدها تستورد نحو 90% من المواد الغذائية من الخارج، وهو ما يعنى ارتفاعاً كبيراً في الفجوة الغذائية الخليجية .

والواقع الحالي للأمن الغذائي العربي ليس وليد اليوم بل هو تراكمات سنوات سابقة تتفاعل فيها العوامل الطبيعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية . فالعوامل المناخية والبيئية شهدت تغيراً بفعل ملوثات الدول الغربية الصناعية، نتجت عنه ظروف طبيعية غير ملائمة من انتشار موجات الجفاف وشح الموارد المائية واتساع نطاق ظاهرة التصحر واندثار الغطاء النباتي الطبيعي، فضلاً عن انتشار الأوبئة والأمراض المشتركة بين الحيوان والإنسان التي أصبحت تهدد سلامة الغذاء . وتفرض ظاهرة المياه نفسها في الوقت الحالي وفي المستقبل، سواء في ما يتعلق بالمياه الجوفية أو الأنهار في البلدان العربية باعتبارها لب الحياة وأساس الأمن الغذائي، بل والأمن القطري والقومي العربي . كما أن نوعية الزراعة والإنتاج الزراعي من أسباب تفاقم أزمة الغذاء في الوطن العربي، حيث مازال العديد من الدول العربية يعتمد على الطرق البدائية في الإنتاج الزراعي، فضلاً عن تلوث التربة والمياه من جراء استخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية السامة والمسرطنة التي أهلكت الإنسان والأرض والحيوان، إضافة إلى إهمال العديد من الدول العربية الزراعات الحيوية التي تشتريها بأسعار خيالية .

كما أن السياسات والتشريعات الزراعية أيضاً فاقمت من أزمة الغذاء في الوطن العربي، فبعض الدول العربية للأسف بنت سياستها الزراعية على ترك زراعة السلع الاستراتيجية الضرورية كالقمح والأرز وتوجهت لزراعة الفواكه، فضلاً عن عدم إيلاء العناية الكافية لتفعيل حجم التبادل التجاري في المنتجات الزراعية بين الدول العربية، واعتماد العديد من الدول العربية على استيراد محاصيلها الغذائية من دول أجنبية، إضافة إلى ضعف الاستثمارات العربية الزراعية خاصة في مجال الإنتاج الزراعي الحديث، وعدم توافر الإرادة السياسية لتحقيق التكامل العربي ولو على المستوى الزراعي . ومما فاقم أيضاً، من أزمة الأمن الغذائي العربي ارتفاع أسعار الغذاء، لا سيما أن دول الوطن العربي تُعرف بأنها دول مستوردة صافية للعديد من السلع الغذائية، فهي بالتالي تتأثر بصورة مباشرة بالتغيرات في الأسعار العالمية للسلع الغذائية .

ومما لاشك فيه أن التبعية الغذائية لها آثارها السلبية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فالاعتماد على استيراد الأغذية من الخارج يؤدي إلى زيادة فاتورة الواردات الغذائية للدول العربية باستمرار، وينمي العجز في موازين مدفوعاتها ويبدد مواردها من النقد الأجنبي، فضلاً عن خطورة هذا الوضع على ارتهان إرادتنا لقوى خارجية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بصفة مستمرة بما يتجاوز إمكانات الأسر ذات الدخل المحدود والمنخفض ومن ثم حدوث اضطرابات اجتماعية .

إن قضية الأمن الغذائي العربي هي قضية حياة العرب، ولا ينبغي تركها للظروف المتغيرة، ولا للعوامل الخارجية لتتحكم فيها، وإنما يجب السعي وبكل جدية إلى ضمان أمن غذائي عربي مستديم قوامه الأساسي القطاع الزراعي باعتباره مدخلاً حيوياً في تحقيق ذلك، إذ تصل مساهمته إلى 30% في عدد من الدول العربية مثل (السودان والعراق وسوريا)، حتى إن زراعة أرض السودان وحدها كفيلة بحل مشكلة الغذاء في الوطن العربي . كما يمثل القطاع الزراعي العربي أيضاً، مصدراً مهماً من مصادر الدخل وتوفير فرص العمل . ورغم التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العربي فإن البيانات تشير إلى تمتع الوطن العربي بمقومات بناء أمن غذائي قوي، حيث تتوافر الأراضي الزراعية الشاسعة غير المستغلة والصالحة للزراعة، فالمساحة المزروعة من الوطن العربي تبلغ فقط 65 مليون هكتار من نحو 4 .1 مليار هكتار هي المساحة الجغرافية للوطن العربي . كما تتوافر الموارد المائية، والثروة السمكية، والمراعي والغابات، والظروف المناخية المناسبة للزراعة، والأيدى العاملة الماهرة .

وكل هذه المقومات تضع على عاتق الدول العربية المبادرة للتخطيط استراتيجياً بما يحقق لها الأمن الغذائي، وقد كان نبي الله يوسف - عليه السلام - سباقاً إلى ذلك - من قبل - بتوفير المخزون الاستراتيجي من الغذاء من خلال الإنتاج وترشيد الاستهلاك . وما أحوجنا اليوم إلى خطة نبي الله يوسف - عليه السلام - من خلال ترسيخ أسس تعاون عربي قوي في القطاع الزراعي - على الأقل - وبنظرة تكاملية بين كافة الدول العربية لتوسيع قاعدة العمل المنتج، وتحسين الإنتاجية وتوفير المخزون الاستراتيجي من الغذاء، وترشيد الاستهلاك، الأمر الذي يتطلب، كمرحلة أولية، تطوير عمل وإمكانات مؤسسات العمل العربي المشترك العاملة في القطاع الزراعي، وكذلك تطوير وتنسيق السياسات الزراعية من خلال دعم مستلزمات الإنتاج والاستثمار الزراعي، وبرامج مساعدة صغار المزارعين، وتحسين مستويات إنتاجيتهم، وتوفير التمويل الصغير اللازم لهم، وتفعيل السياسات التسويقية والتجارية والرقابية بما في ذلك التعاقد على استيراد الحبوب بأسعار تفضيلية، ومراقبة الأسعار، وضمان الأمن الغذائي على مستوى الأسرة عن طريق الإعانات الغذائية .

إضافة إلى تعزيز ثقافة الاعتماد على الذات والاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية الرئيسة، وذلك من خلال تنفيذ مشروعات زراعية عربية مشتركة لإنتاج السلع الغذائية الاستراتيجية، وإقامة مخزون استراتيجي من السلع الغذائية الأساسية ووضع نظام لتنفيذه وإدارته، وتنفيذ برامج طويلة الأمد لتحسين إنتاجية العمل لدى صغار المزارعين، وإعداد وتنفيذ برامج تطوير استخدامات المياه وتنميتها والتوعية حول استخداماتها، وتوفير الخدمات الإرشادية، والاهتمام بالتقدم العلمي التقنى والبحثي، ليكون كل ذلك سبيلاً نحو إيجاد وتعزيز التكامل الاقتصادي العربي الزراعي ومن ثم التكامل الاقتصادي العربي المنشود .

تحميل ملف الأمن الغذائي :





التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مرات مشاهدة الصفحة

جميع الحقوق محفوظة

النجباء

2016