-->
النجباء النجباء
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

إسهامات المسلمين في الفكر الاقتصادي



إسهامات المسلمين في الفكر الاقتصادي




مقدمة:

إنه وبلا شك مع أول حكومة إسلامية ومجتمع إسلامي في المدينة بدأ المنهج الإسلامي يأخذ ملامحه الأولى، ثم أخذ يترسخ بعد الفتح والتنعم بالنصر ودخول المسلمين أفواجاً تحت قيادة الرسول (ص) في مكة. ثم أخذ هذا النمط في ظل رعاية الخلفاء الراشدين  يتسع حتى بلغ فيما بعد مناطق شاسعة تضم شعوباً وبلاداً كثيرة
وقد عرف هذا النمط في حياته الواقعية خلال قرون، ألواناً عديدة من العلاقات والحالات الاجتماعية والتنظيمية والسياسية والاقتصادية ، ومن أشكال الملكية والسلطات الحاكمة والصراعات، كما واجه مشكلات وتحديات في كل الميادين، وقد رافقت ذلك كله جهود كبيرة ولا تزال في العمل على الإجابة عما تولد من مستجدات وصعوبات ومشاكل وسلبيات. ولهذا أخذ الفقه الإسلامي بل الفكر الإسلامي برمته يسهم في مختلف ميادين البحث والمناهج والموضوعات والقضايا التي تمس المجالات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، فضلاً عن ميادين العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية بما في ذلك إسهامات أساسية في إرساء قواعد الفكر الاقتصادي .
ولم يقف علماء الحضارة الإسلامية عند حد المواريث الفكرية، لكنهم أضافوا بعد ذلك ما توصلوا إليه من تجاربهم وخبراتهم واستطاعوا أن يكونوا نسقا فكريا وعمليا متميزا قوامه البحث عن الحقيقة في أعماق النفس وآفاق الوجود وأساسه العلم والعمل من أجل ترقية الحياة على الأرض استنادا إلى مبادئ الإسلام، ونذكر في هذا التقرير بعض من مآثر المسلمين في الفكر الاقتصادي .
نشأة علم الاقتصاد الإسلامي:
من المقرر أن الإسلام نظم حياة الأفراد بما يحقق لهم مهمة الاستخلاف، وعبودية الله عز وجل في الأرض ولم يدع مجالاً من مجالات الحياة إلا وبيّن ما يحتاجه الإنسان من أحكام وتصورات تحقق الكثير من المصالح الدنيوية والأخروية. ومن ذلك تنظيم احتياج الناس لكسب المال وتوفير الاحتياجات الحياتية الخاصه بهم.
وقد كانت حياة النبي -صلى الله عليه وسلم -هي الأنموذج الأمثل لتطبيق هذا التشريع الاقتصادي وكذلك حياة الخلفاء الراشدين. إلا أن الحياة والمشكلات الاقتصادية في الصدر الأول كانت محدودة لأمرين: -
1.     فقر البيئة وتواضع الأنشطة الاقتصادية (كالرعي والتجارة المحدودة - والزراعة القليلة).
2.  قوة الوازع الديني في النفوس فلا تجد غشاً ولا تدليساً ولا غبناً ولا احتكاراً. ولكن مع توسع المعاملات بين الناس وازدهار التجارة والصناعة، وانفتاح المجتمعات والدول على بعضها البعض، وضعف الوازع الديني والإيمان بالله، وظهور الحيل والخديعة في معاملات الناس، استجدت قضايا اقتصادية تختلف تماماً عما عاشه سلف الأمة؛ كالشركات الحديثة وبيوع الأسهم والبورصات والمعاملات المصرفية وغيرها، إضافة إلى الحاجة لضبط معاملات الناس وعقودهم لكي لا تفضي إلى النزاع والخلاف، مما أدى إلى اهتمام العلماء بدراسة هذا العلم وبحث قضاياه ومعالجة مشكلاته .
 وفي بداية القرن العشرين ظهرت مذاهب اقتصادية تبنتها دول عظمى تريد الثروة واستعمار خيرات الشعوب أشهرها النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي. أما النظام الإسلامي فقد تضعضع بسبب هيمنة  الدول الأجنبية على بلاد المسلمين، وإقصائهم للشريعة الإسلامية من التطبيق والتحكيم في شؤون الحياة. أما النظام الاشتراكي فقد تلاشى نفوذه وانتهى إلى غير رجعة لأنه كان يحمل عوامل فنائه في داخله وما زال النظام الرأسمالي يحتل السيطرة على اقتصاد أكثر دول العالم في الفترة الراهنة وقد لا تطول هذه الفترة بسبب تهديد الأزمات الاقتصادية المتفجرة من حين لآخر.
أركان الاقتصاد الإسلامي
يقوم الاقتصاد الإسلامي على ثلاثة أركان:
الركن الأول: الملكية المزدوجة:
ونقصد بها: الملكية الخاصة التي يختص الفرد بتملكها دون غيره، والملكية العامة هي الملك المشاع لأفراد المجتمع. والاقتصاد الإسلامي يقوم على تلك الملكيتين في آن واحد، ويحقق التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة ويعترف بهاتين  المصلحتين طالما لم يكن ثمة تعارض بينهما؛ وكان التوفيق بينهما ممكناً، أما لو حصل التعارض فإن الإسلام يقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد. ومن الأدلة على ذلك:
1.  قوله صلى الله عليه وسلم ((لا يبيع حاضر لباد)) ([1]) يعني أن يكون له سمساراً فيرفع السعر على الناس بأعلى مما لو باع البادي بنفسه.
2.  قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تلقوا الركبان))([2]) فالمتلقي سيشتري بسعر أقل وسيبيع الناس بسعر أعلى، وهو فرد قد حرم الناس من الشراء من الركبان أنفسهم بسعر أقل.
3.     أجاز بعض الفقهاء  إخراج الطعام من يد محتكره قهراً وبيعه على الناس([3]).
الركن الثاني: الحرية الاقتصادية المقيدة.
- تقييد الحرية الاقتصادية  في الإسلام يعني إيجاد الضوابط الشرعية في كسب المال وإنفاقه لتحقيق الكسب الحلال والنفع العام لأفراد المجتمع .
- وخالف النظام الإسلامي  النظام الرأسمالي الذي أطلق حرية الكسب من غير قيود أو ضوابط وخالف النظام الاشتراكي الذي صادر الحرية فمنع الناس من التملك .
- أما الإسلام فقد جعل هناك حرية اقتصادية ولكنها مضبوطة بالشروط الآتية:
الشرط الأول: أن يكون النشاط الاقتصادي مشروعاً: والقاعدة الشرعية: أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما ورد النص بتحريمه، فمساحة الحلال في الاقتصاد واسعة، ولكن بشرط أن  لا تخرم نصاً يقتضي حرمة هذا النشاط الاقتصادي ومنها
1-الربا: والربا حرام في الإسلام لقوله تعالى:) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا([البقرة: 275] إلى غيرها من نصوص الكتاب والسنة وإجماع العلماء([4])، وحُرم كذلك في كل الشرائع السماوية  لما فيه من الأضرار الاقتصادية والاجتماعية
2-الغرر: وجاء النهي عنه لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه (( نهى عن الغرر))([5]) ومعناه: بيع المخاطرة وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته أو أجله.  مثل: بيع الثمار قبل أن تنضج، وبيع السمك في الماء والطير في الهواء، وحمل الحيوان قبل أن يولد([6]) .

3-القمار والميسر : وهو محرم شرعاً لقوله تعالى  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ([المائدة: 90]

الشرط الثاني: أن تتدخل الدولة لحماية المصالح العامة وحراستها بالحد من حريات الأفراد إذا أضرت أو أساءت لبقية المجتمع . ومثالها:-  ما فعلة النبي -صلى الله عليه وسلم  -حين وزع فيء بني  النضير على المهاجرين  وحدهم دون الأنصار إلا رجلين فقيرين. .وذلك لكي يقيم التوازن بينهم .  ومنه نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة..
الشرط الثالث: تربية المسلم على أن يؤثر مصلحتة لمصلحة غيره فيتوقف عن كل ما يحقق له النفع ويضر الآخرين ،  (( لا ضرر ولا ضرار )) ([7]).
الركن الثالث:  التكافل الاجتماعي:
من الحقائق الثابتة أن أفراد النوع البشري يتفاوتون في الصفات الجسدية والنفسية والفكرية، وبناء على هذا التفاوت في المواهب والإمكانيات ومقدار التحمل والبذل؛ فإن هناك تفاوت سيكون في إيجاد نوعية العمل، وبالتالي مقدار الحصول على المال . وبالتالي سيكون هناك أفراد  في المجتمع معوزين، لا يجدون كفايتهم من المال الذي ينفقونه على حاجياتهم  الضرورية .  ولهذا جاءت عدة تشريعات إسلامية لتحقيق التكافل والتعاون وسد النقص لدى أهل الاحتياج من أفراد المجتمع منها: -
1-                الزكاة لسد حاجات المعوزين .
2-                إعطاء بيت المال لأهل الحاجات .
3-                الإنفاق الواجب على الأقارب ومن تلزمه نفقته .
4-                النهي عن الإسراف والبذخ تحقيقاً للتوازن الاجتماعي ومراعاة لنفوس المحتاجين .
5-       شرعت الكفارات والصدقات والقروض والهبات وصدقة الفطر والأضاحي والعقيقة   وغيرها لتحقيق مبدأ التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع.
علم الاقتصاد الإسلامي في العصر الحديث:
بالرغم من الأسس الشرعية والفكرية القديمة للاقتصاد في الفكر الإسلامي إلا أن مصطلح الاقتصاد الإسلامي في حد ذاته لم يظهر إلا في أواخر القرن الرابع عشر الهجري أو في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا بد من القول أن ظهور المصطلح لم يكن مجرد عثور على اسم لشيء موجود، بل كان يعني أكثر من هذا على سبيل التأكيد، لقد كان المصطلح مرتبطاً بعدة أمور، بالرغبة في إقامة نظام اقتصادي عصري في إطار الشريعة الإسلامية، وصياغة نظريات وسياسات اقتصادية تلائم الاحتياجات الواقعية للأقطار الإسلامية وتساعدها على تحقيق التقدم.
لقد ظهرت الرغبة في إقامة نظام اقتصادي عصري يحفظ هوية الأقطار الإسلامية ويحقق مصالحها وقوتها إثر انهيار الدولة العثمانية (التي اعتبرت آخر حلقات الخلافة في الدولة الإسلامية الكبرى) وظهور النزعات الاستقلالية في الأقطار الإسلامية التي وقعت تحت سيطرة الدول الغربية الاستعمارية، ولم تكن السلطات الاستعمارية تُخفي نزعتها الفكرية المسيحية في التأثير على الثقافة والتعليم وتوجهاتها في إعادة صياغة التشريعات ووضع القوانين التي تتفق مع توجهاتها العلمانية، وذلك على المستويين المدني والتجاري، وكل هذا مما أثار حفيظة الصفوة من المثقفين الوطنيين وجعلهم أكثر رغبة واستعداداً لخوض معركة الاستقلال الفكري للحفاظ على الهوية الإسلامية.
وكان من الشائع في خضم هذه المعركة الفكرية أن الاستقلال السياسي ضرورة لتصفية التبعية الفكرية، وأن الاستقلال الاقتصادي في الإطار الإسلامي هو القاعدة الأساسية للاستقلال السياسي، ومما قوّى حافز الصفوة من المثقفين والوطنيين الإسلاميين ورغبتهم في تحقيق الهوية الاقتصادية الإسلامية ظهور حركات ومذاهب اقتصادية جديدة مضادة للنظام الرأسمالي مثل الاشتراكية التعاونية والماركسية؛ فقد كان ثمة اعتقاد شائع بأن الرأسمالية هي سر سيطرة الغرب وأنها الطريق الوحيد إلى القوة.
وفي الفترة التالية للحرب العالمية الثانية نالت الأقطار الإسلامية الواحدة تلو الأخرى استقلالها السياسي من الدول الاستعمارية الغربية وبدأت مسيرتها لتحقيق التنمية الاقتصادية، وفي ذلك الإطار الجديد ظهرت عدة توجهات فكرية وسياسية تستهدف العمل على إقامة أو إعادة تشكيل النظام الاقتصادي والتأثير في السياسات الاقتصادية الكلية.
من أبرز هذه التوجهات:
1- التوجه إلى إقامة نظام اقتصادي وطني مستقل ينخفض فيه الاعتماد على الخارج، وتُعطى فيه أولوية للسياسات التي تهتم بتلبية احتياجات السكان الأساسية، وتعمل على تحقيق التنمية اعتماداً على الموارد الذاتية بصفة أساسية.
2- الحفاظ على النظام الاقتصادي السابق للاستقلال من حيث هويته الرأسمالية، واستمرار اعتماد السياسات التي تؤكد الصلة بالعالم الخارجي وبالدول الاستعمارية السابقة، ولكن على أسس جديدة تسعى لتحقيق المصلحة الوطنية.
3- العمل على إقامة نظام اقتصادي ذي نزعة اشتراكية (أو اجتماعية) يتعاظم فيه دور القطاع العام، والارتباط مع الكتلة الشرقية على المستوى العالمي بدلاً من الكتلة الغربية الرأسمالية.
4- المناداة بإقامة نظام اقتصادي إسلامي يسعى لتحقيق المصالح الاقتصادية في إطار وطني مستقل، والحفاظ على علاقات متوازنة مع العالم الخارجي مع السعي إلى تحقيق التكامل مع بقية الأقطار الإسلامية.
وبالنسبة للتوجه الإسلامي فقد وجد طريقه إلى الواقع في حالات معدودات وهي باكستان والمملكة العربية السعودية والسودان وإيران، ولكنه ما يزال في طور التجريب إلى الآن، أما في بقية الأقطار الإسلامية فإنه بالرغم من أن التوجه الإسلامي لقي تأييداً شعبياً كبيراً منذ حصولها على الاستقلال السياسي إلا أنه لقي أيضاً تحديات ومعارضات سياسية هائلة من الداخل ومن الخارج على حدٍّ سواء، وقد استهدفت المعارضة أحياناً القضاء على التوجه الإسلامي، وأحياناً أخرى دمجه، أو مزجه مع التوجه الوطني الرأسمالي أو مع التوجه الاشتراكي.
وخلال نصف قرن مضى الآن على حصول معظم الأقطار الإسلامية على استقلالها السياسي لم تنجح الأنظمة الاقتصادية البديلة للنظام الإسلامي في تحقيق الاستقلال السياسي لهذه الأقطار، أو دفع عجلة التنمية فيها على نحو يقلل من الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول المتقدمة، على العكس من ذلك فقد عانى العديد من الأقطار الإسلامية من ازدياد حدّة المشكلات الاقتصادية في شكل عجز مستمر في موازين المدفوعات وارتفاع غير عادي في الدين العام الخارجي وكذلك الدين العام الداخلي واشتداد حدّة التضخم وزيادة حالة الفقراء سوءًا.
ولقد تسببت هذه التطورات في نقد الأنظمة الاقتصادية القائمة وإثارة التساؤلات عن ملائمتها وجدوى استمرارها، وقد أتاح هذا لأصحاب التوجهات الإسلامية سواء من المفكرين أو من العاملين في المجالات السياسية والاجتماعية أن يطرحوا بقوة قضية الاقتصاد الإسلامي، والذي من خلاله يمكن تقديم علاج شامل ويتلاءم مع البيئة العقدية والاجتماعية لعامة الناس، وفي هذا المناخ لم تنقطع اجتهادات المفكرين الإسلاميين في تحليل مشكلات مجتمعاتهم وعرض أنواع العلاج الملائمة لها في إطار إسلامي.
وهكذا تطور الفكر الاقتصادي الإسلامي الحديث وظهرت إسهامات عديدة عن خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي، وفي مجالات النقود والربا والبنوك الإسلامية والزكاة والضرائب والتنمية الاقتصادية والتضخم وكيفية تحقيق الاستقرار النقدي، وكذلك في مجال التعاون والتكامل الاقتصادي بين الأقطار الإسلامية.
وبطبيعة الأمر فإن بعض هذه الإسهامات يقل من جهة الإتقان العلمي، أو القابلية للتطبيق العلمي عن البعض الآخر، ولكنها جميعاً اتجهت إلى محاولة إرساء معالم نظام اقتصادي إسلامي ووضع قواعد لعلم اقتصادي إسلامي حديث، وكان للمؤتمرات والندوات العلمية العالمية في الاقتصاد الإسلامي دور كبير في تنظيم الإسهامات الفكرية وتمحيصها.
التجديد في الجوانب المؤسسية للاقتصاد الإسلامي:
لقي الاقتصاد الإسلامي أيضاً دفعة كبيرة في الجانب المؤسسي في ربع القرن الأخير على جبهتين أساسيتين: التعليم والمصرفية، فعلى مستوى التعليم الجامعي الأول والعالي في الأقطار الإسلامية تم إنشاء أقسام علمية أو شعب متخصصة في الاقتصاد الإسلامي في جامعة أم القرى وجامعات أخرى بالمملكة العربية السعودية، وفي جامعة أم درمان الإسلامية وخمس جامعات أخرى بالسودان وفي إيران، وتم إنشاء المعهد العالي للاقتصاد الإسلامي في إسلام أباد بباكستان، وكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بالجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا والتي تمنح درجات جامعية في الاقتصاد مع إعطاء الأهمية الكبرى لمقررات الاقتصاد الإسلامي، وغير ذلك هناك عدد من الجامعات في العالم الإسلامي تعرض مقررات ودبلومات متخصصة في الاقتصاد الإسلامي ضمن مقرراتها الأكاديمية منها جامعة الإسكندرية بمصر، وجامعة اليرموك في الأردن، وجامعة الأوزاعي في لبنان، وفي هذا الإطار تخرجت أعداد كبيرة من الشباب الجامعي الذين يحملون فكراً اقتصادياً إسلامياً قابلاً للتطبيق والتطوير، كما تم إنجاز عشرات من الرسائل العلمية في الاقتصاد الإسلامي على مستوى الماجستير والدكتوراه.
أما خارج العالم الإسلامي فقد وجد علم الاقتصاد الإسلامي طريقه أيضاً إلى عدد من الجامعات والمعاهد العليا، كما لقي احتراماً من بعض المنظمات الدولية (كصندوق النقد الدولي IMF) وعلى سبيل المثال فإن جامعة Loughborough وجامعة Durham في وسط وشمال انجلترا تقدم مقررات متخصصة في الاقتصاد الإسلامي ولدى الأخيرة برنامج على مستوى الماجستير يتيح التخصص في التمويل الإسلامي.. وهناك أيضاً المعهد الدولي للاقتصاد الإسلامي والتأمين بجامعة لندن، والمعهد العالي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدة.
أما المسئولية المصرفية الإسلامية فقد تنامت من حيث العدد من بنكين اثنين (أحدهما في مصر والثاني في باكستان) في الستينات إلى نحو سبعين في بداية القرن الحادي والعشرين، بالإضافة إلى عدد آخر ليس قليلا من البنوك التجارية التي عملت على تنويع نشاطها بفتح نوافذ مصرفية إسلامية، أو التي اتخذت خطوات فعلية للتحول إلى العمل المصرفي الإسلامي. وأكدت الأبحاث والدراسات نمو النشاط المصرفي الإسلامي بقوة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.
وكان لتميز البنوك الإسلامية بالمعاملات الخالية من الربا أثر كبير في إقبال أصحاب المدخرات الحريصين على دينهم في الاستثمار من خلالها، لكن الحقبة الأخيرة شهدت تراجعاً نسبياً في المصارف الإسلامية لأسباب عديدة منها الهجوم عليها بحجة أن الأساس الذي تقوم عليه وهو ربوية نظام الفائدة غير صحيح (الأمر الذي استند إلى فتاوى دينية رسمية للأسف)، ومنها عدم ملائمة التشريعات المصرفية الوضعية لها وتطبيق لوائح البنوك المركزية بحذافيرها عليها رغم اختلاف نوعية نشاطها الاستثماري عن النشاط الإقراضي للبنوك التجارية.
وما زال الجانب المؤسسي في الاقتصاد الإسلامي في حاجة إلى التحديد، فهذا الجانب يمثل العمود الفقري للنظام الاقتصادي الإسلامي، ولا نستطيع أن نفترض قيام هذا النظام دفعة واحدة ولا نتصور أيضاً قيامه دون التنظير للمؤسسات التي يعتمد عليها.
وهناك مؤسسات كانت قائمة قبل انتشار الدعوة إلى الاقتصاد الإسلامي المعاصر وما تزال كمؤسسة الزكاة، فكيف يمكن تنمية مؤسسة الزكاة في الإطار الرسمي؟ ومن جهة أخرى كيف يمكن إحياء مؤسسات إسلامية مهمة كالوقف أو الحسبة؟ والأمر هنا يحتاج إلى أبحاث مستفيضة لا تكتفي ببيان الجوانب النظرية لهذه المؤسسات، وإنما أيضاً بالآليات الضرورية لنجاحها عملياً في القضايا الإسلامية المعاصرة.
خاتمة :
وختاما كان من المهم بيان الدور الذي يمكن أن يقوم به الاقتصاد الإسلامي لحل مشكلات العالم الاقتصادية، وكيف يحقق للأفراد النماء والاستقرار والكفاية دون الوقوع في منزلق الحاجة والعوز. ولعلنا من خلال الصفحات السابقة سلطنا الضوء على أهم إسهامات الاقتصاد الإسلامي في الفكر الاقتصادي العالمي والتي يتضح من خلالها سعي الإسلام لرفاء الناس وسد حاجاتهم وإسعادهم في الدنيا والآخرة .
فليست الحضارة الإسلامية مجرد حلقة من حلقات التاريخ الإنساني، وليست الإسهامات الإسلامية مجرد إضافات إلى حضارات الدنيا، ولكن واقع الأمر أن الحضارة الإسلامية قدمت النموذج الحضاري الذي يجب أن يحتذى من العالم أجمع وأبرز ما في هذا النموذج أنه حقق التوازن العجيب بين علاقة الإنسان بربه وعلاقته بالبشر من حوله، وكذلك علاقة البيئة التي يعيش فيها بكل ما تحويه من كائنات وثروات.
إنها حضارة يتحتم على العالم أن يعرفها، بل أن يدرسها، وما هذا الكتاب الذي بين أيدينا إلا صفحة في سفر الإسلام العظيم، حري لكل مسلم أن يستوعبها وينقلها إلى غيره. د. راغب السرجاني


المراجع :
1.    المسلمون علماء و حكماء - د حسن الشرقاوي - الطبعة الأولى مؤسسة مختار – 1987 م
2.     د. رفيق يونس المصري ، الفكر الاقتصادي الإسلامي ، دار المكتبي ، 2009 .
3.    راغب السرجاني ، ماذا قدم المسلمون للعالم ، الناشر, دار اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة. الإصدار, مايو 2009.
4.    ا.د. عبد الرحمن يسري أحمد،تقويم مسيرة الاقتصاد الإسلامي {1396- 1422هـ/1976- 2003م










([1]) رواه البخاري (2574)
([2]) رواه البخاري (2043) 
([3]) الحسبة لابن تيمية ص 79، الطرق الحكمية لابن القيم ص 185
([4])انظر: أحكام القرآن للجصاص 2/513، المغني لابن قدامة 6/51، الفتاوى الكبرى لابن تيمية 3/18 .
([5])رواه مسلم (1513) 
([6])انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية 3/18، نيل الأوطار 3/178 .
([7])رواه مالك في الموطأ (1429) 

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مرات مشاهدة الصفحة

جميع الحقوق محفوظة

النجباء

2016