-->
النجباء النجباء
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

مكانة اللغة العربية





مكانة اللغة العربية



المقدمة :


لقد شاء الله تعالى أن تمر العربية كغيرها من اللغات بمراحل ، فقد هذبتها الألسن العربية وطوّرتها طورا بعد طور إلى أن تهيأت لأن تكون وعاء لكلام الله عندما نزل بها القرآن على قلب المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وقد كان العرب في ذلك الوقت على ذروة الفصاحة والبلاغة وكانت الجزيرة زاخرة بالجم الغفير من الخطباء والشعراء الذين يلقون الحديث العربي قصيده ورجزه ونثره ونظمه وهم يتبارون في هذا المضمار ويتفاخرون بالسبق إلى قصبات السبق فيه .
أن العرب أنفسهم شابتْ عربيتهم شوائب من العجمة بسبب الاخطلاط فاحتاجوا إلى وضع هذه الضوابط على أن معظم الأئمة الذين خدموا العربية وبحثوا فنونها وتعمقوا في دراسة إشتقاقاتها ووضعوا الضوابط لها هم من غير العرب كالأخفش وسيبويه والفراء والكسائي … وهم مع ذلك يفتخرون ويعتزون وكل ذلك من أجل خدمة القرآن ومن أجل الحفاظ على معرفة معانيه وإعجازه .
ولذلك فإنه من العار على المسلم أن يحسن اللغات الأجنبية ومن بينها لغات المستعمرين الذين استذلوه واستعبدوه ، وأنْ يفاخر بإتقانها وهو لا يتقن اللغة العربية . والمسلمون هم أحوج الناس لهذا التواصل الحضاري من خلال التفاهم بهذه اللغة وهذا أمر مهيأ بدليل أن غير العرب يعتنون بهذه اللغة ويتفوقون على العرب فيها .
إن أهمية هذا البحث تأتي من أهمية عنوانه ، فاللغة العربية قدر ولسان العرب وحافظ الهوية والدين ، لذا وجب علينا دائما الوقوف عندها ودراسة حالها .





الفصل الأول (واقع اللغة العربية الفصحى المعاصرة وخصائصها)


تمهيد :
العربية المعاصرة هي فصحى العصر الذي نعيشه، فهي السجل المكتوب لثقافة العصر. وصلة العربية المعاصرة بالفصحى المثالية كصلة الابن بأبيه، يحمل الابن صفات وراثية وثقافية عن الأب ويختلف عنه في أنه يعيش في زمن غير زمن أبيه. واختلاف الزمن يحمل في طياته اختلافا في الرؤية والتفكير وفي أمور الثقافة جميعا".
ويقصد بمفهوم العربية الفصحى المعاصرة  بالسلوك اللغوي المثالي والذي ربما يفوق نظيره الاجتماعي من حيث صعوبة تجسيده، فالفرد يتعلم كثيرا من جزئيات السلوك اللغوي المثالي ولا يكتسبها اكتسابا لاشعوريا، كما أن احتمالات الخروج عن هذا المستوى المثالي كبيرة خاصة إذا أضفنا إلى ذلك أن الجزئية اللغوية قد يعدها بعض العلماء فصيحة في حين أنها ليست كذلك عند آخرين.
أسباب صعوبة تجسيد المثال اللغوي الفصيح في عصرنا :
  • الجميع متفقون على أن القرآن الكريم خير تجسيد للفصحى ومع ذلك فإنهم في سلوكهم اللغوي لا يحتذون أسلوبه، إذ يعد ذلك محاكاة للنص القرآني على طريقة مسيلمة الكذاب وأمثاله.
  • رغم كثرة الدراسات العربية التي قامت خدمة للقرآن فإن علماء العربية قديما وحديثا غاب عنهم كثير من خصائصه اللغوية، ومن هنا خطؤوا ظواهر لغوية كثيرة وهي موجودة في القرآن، بل إن من النحويين من وصل إلى درجة تلحين بعض القراءات المتواترة.
  • حدد علماء العربية مصادر اللغة الفصحى في القرآن الكريم والشعر العربي حتى عام 150هـ، وكلام العرب الأقحاح من غير ساكني المدن حتى القرن الرابع الهجري تقريبا. ومع ذلك فإنهم لم يتفقوا على التوسع في القياس أو تضييق نطاقه، كما لم يتفقوا على رفض أو قبول ما جاءت به لهجة عربية ما مخالفا للغة المشهورة، ولهذا كان محور أكثر خلافاتهم هو "مقياس الصواب اللغوي".
  • تعرض شعراء العرب وفصحاؤهم لانتقادات من طرف علماء العربية القدماء الذين وجدوا في سلوكهم اللغوي مآخذ تخرج بهم في بعض المواطن عن الفصاحة. ومن ذلك مثلا تخطئة العلماء للنابغة الذبياني وأبي دؤاد الإيادي من العصر الجاهلي، والحجاج بن يوسف الثقفي والفرزدق من العصر الأموي، وابن المقفع والبحتري من العصر العباسي.
وفي عصرنا الحاضر يرى المثقفون غير المختصين في علوم العربية –حسب استفتاءات قام بها عباس السوسوة [1] - أن الفصحى تتجسد في القرآن الكريم فالحديث الشريف ثم في الشعر العربي منذ الجاهلية حتى أحمد شوقي (1932م)، ثم في النثر العربي بشتى أشكاله وموضوعاته حتى القرن العشرين بعد استبعاد عصر الحكم العثماني للبلاد العربية. كما يرون أن كتب النحو وصفت الفصحى من جميع جوانبها، وهذه رؤية يختلف معها علماء العربية القدماء والمحدثون.
غير أن المهم –في نظر عباس السوسوة - أن المثال اللغوي بصورتيه المختلفتين غير متحقق عند أي كاتب معاصر، إذ تجد في كتابته الصواب والخطأ مقارنة بأي من الفصحيين القديمة أو المعاصرة. كما أن كل كاتب يعترف في قرارة نفسه أنه لا يستطيع الإتيان بالفصحى المثالية، وبالتالي فإنه لم يبق سوى السلوك الفعلي لدى مستخدمي هذه الفصحى المعاصرة.
معيار الصواب والخطأ
يطرح  السوسوة [2] سؤالا مهما عن معيار الصواب والخطأ في مستوى العربية الفصحى المعاصرة وهل كل ما خطأه علماء العربية يعد خطأ فيه؟ ويذكر في الجواب أن بين الفصحيين القديمة والمعاصرة قدرا مشتركا من الخطأ، إلا أن كثيرا مما خطأه القدماء لا يعد كذلك عند مستعملي الفصحى المعاصرة. كما أن هناك ظواهر لغوية جديدة لم يعرض لها القدماء أصلا لأنها لم تكن شائعة أيام عصر الاحتجاج باللغة.
وحول كون قرارات المجامع اللغوية تمثل معيار الصواب والخطأ فما أقرته يعد صوابا وما قالت بخطئه يعتبر خطأ، يقول د.السوسوة إن الأمر هنا نسبي لأن هذه المجامع لم يسمع بها الجميع كما أن قراراتها لم يطلع عليها إلا القليل نظرا للتأثير المحدود لهذه المجامع دون ذنب لها فيه. كما أن خبراء المجامع يقولون بصواب بعض الظواهر وهي خطأ في العربية المعاصرة لأن الكتّاب –في معظمهم- يتحاشون الوقوع فيها، والعكس أيضا صحيح.
ويرى أن "الصواب في هذا المستوى الفصيح المعاصر هو السلوك الفعلي لمستخدميه قراءة أو كتابة أو خطابة، دون شعور بخطأ قاموا به ثم لا يتناهون عن شيء مما قرؤوه أو كتبوه. أما الخطأ فيه فهو ما يعده كثير منهم خطأ وإن أتاه بعضهم".
دراسة الفصحى المعاصرة وتاريخها
تتغير اللغة العربية كغيرها من اللغات بمرور الزمن وما يستجد من أحوال اجتماعية ودينية وثقافية وسياسية، ولعل دلالة الألفاظ أكثر عرضة للتغير في لغتنا مقارنة ببقية أنظمة اللغة الصوتية والصرفية والنحوية. ففي الفصحى المعاصرة تغيرت معاني ألفاظ كثيرة عما سجلته المعاجم القديمة إما بتعميم دلالتها بعدما كانت خاصة أو العكس، وإما بنقل مجازي للدلالة بسبب المجاورة أو السببية أو اعتبار ما سيكون، أو غيرها من طرق النقل.
إن علماءنا القدماء أدركوا هذا التغير في معاجمهم وكتبهم الأخرى من حيث تفرقتهم بين أصل المعنى الجديد الذي يسمونه لفظا إسلاميا أو مولدا أو اصطلاحيا.
وعلى الرغم مما قام به علماء القرنين الثاني والثالث من دراسة للفصحى دراسة أقرب ما تكون إلى الدراسة الوصفية التي تحدد زمانا ومكانا ومستوى للمادة المدروسة، فإن المستوى الفصيح المستخدم فعلا عند الشعراء والأدباء والفلاسفة والمتكلمين والأطباء والأصوليين والمؤرخين وغيرهم لم يظل من الناحية التركيبية مطابقا لما جاء عند علماء العربية. وسبب ذلك أن الحاجة إلى التعبير عن حاجات ثقافية وعلمية واجتماعية متنوعة استدعت –بحكم المعاناة في الاستعمال- تراكيب صرفية ونحوية جديدة على منوال الحاجة إلى التغيير في دلالات الألفاظ الفصيحة القديمة للتعبير عن معنى جديد.
والبعض يعتبر  الحركة التصويبية  امتدادا لكتب "اللحن" وما ظهر في إطارها من كتب وقفها أصحابها على بعض الظواهر الجزئية في العربية المعاصرة يبينون فيها خطأها ويحاولون ردها إلى الصواب حسب رأيهم،  ولعل جل هؤلاء تجمعهم المعرفة الناقصة المتعلقة ببعض الاستعمالات اللغوية فلا يكادون يعثرون على استعمال معاصر للفصحى لا يجدون مثله في المعاجم القديمة وكتب النحو حتى يسارعوا بالتحريم، بل إن من وضع منهم معايير للصواب والخطأ خالف في كتاباته هذه المعايير ولم يلتزم بها.
وهناك اتجاه آخر لدراسة الظواهر التركيبية في العربية المعاصرة دراسة وصفية أو تقابلية مع لغة أوروبية حديثة. ويجمع بين أصحاب هذا الاتجاه أنهم إذا وجدوا شبها بين جملة أو تركيب ما في العربية المعاصرة وإحدى اللغتين الفرنسية أو الإنجليزية جزموا أن العربية اقتبست هذه الظاهرة التركيبية من إحداها أو من كلتيهما.
التأثير اللغوي الأوربي على اللغة العربية :
ولا ننفي التأثير اللغوي الأوروبي على العربية المعاصرة، غير أن التشابه غير كاف للقول بالاقتباس ويشترط لذلك أن تكون الظاهرة المزعوم اقتباسها كثيرة الاستعمال في اللغة الأوروبية المعينة، وأن تخلو منها العربية المكتوبة قبل أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ويلاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه ينظرون فقط في الفصحى كما وصفها علماء العربية في عصر الاحتجاج وفي الفصحى المعاصرة، دون النظر في الفترة الزمنية الممتدة بينهما (أكثر من 12 قرنا).
دور مجامع اللغة العربية :
مجامع اللغة العربية لها جهودا لا تنكر في دراسة الفصحى المعاصرة، إذ اعتمدت لجنة الأصول ولجنة الألفاظ والأساليب بمجمع القاهرة في دراستها لكثير من القضايا الجزئية المتعلقة بالتركيب على التقابل مع الفصحى كما تبدو في آثار علماء العربية، باحثة عن مسوغ قديم للظواهر التركيبية المعاصرة قد يكون رأيا لأحد النحاة أو استعمالا في لهجة عربية فصيحة أو قياس على حكم أو استعمال قديمين وغيرها، ولكن قلما كان المسوغ نصا قديما من عربية ما بعد عصر الاحتجاج.
غير أن الدراسة التاريخية التي تتتبع الظواهر التركيبية في الفصحى المعاصرة عبر القرون فليست موجودة عند الفئات المذكورة أو عند الجامعيين. وليتها تكون شاملة للعربية المعاصرة المكتوبة المعتمدة على صحف ومجلات معظم الدول العربية، إضافة إلى كتابات مؤلفين من شتى هذه الدول. كما تحرصت –ما أمكن- أن تكون الشواهد التراثية على وجود الظاهرة شاملة للعربية في كل زمان، وأن يكون مستخدموها من تخصصات مختلفة.
الظواهر الصرفية في الفصحى المعاصرة
الاشتقاق والمشتقات:
الاشتقاق في اللغة العربية أساس كلماتها وتوليد ألفاظها الجديدة، غير أن الصرفيين لاستئناسهم بالأفعال المشتقة مدة طويلة قرروا منع الاشتقاق من الجامد. ودراسة المحدثين لهذه الظاهرة أثبتت أن العرب اشتقت من الجامد بكل أقسامه. وسار الكتاب والمؤلفون عبر العصور على هذا النهج، ومن ذلك ما نقله الزمخشري أن "الحجاج نصب على البيت منجنيقين ووكل بهما جانقين فقال أحد الجانقين..". وقال أبو تمام:جلَّيت والموتُ مبدٍ حر صفحته وقد تفرعن في أوصاله الأجل
وهذا الاشتقاق كثير في العربية المعاصرة من مثل: قبرصة (قبرص)، أمركة (أميركا)، أدلجة (أيدولوجية)، تأقلم (إقليم). كما يكثر اشتقاق الأفعال التالية: تمحور وتموضع وتموسم ومذهبَ ومنهجَ وتمركز، على شاكلة ما عرفته عربية عصر الاحتجاج وما بعده من أمثال: تمذهب وتمدرع وتمنطق وتمندل وتمسكن.
 الجمع:
و فيه جمعي التكسير والمؤنث السالم. ففي الأول يذكر أن التمييز بين جموع القلة والكثرة لم يعد قاعدة أصلية في العربية المعاصرة بخلاف فصحى التراث التي كانت تجعل من هذا التمييز أساسا في النقد الأدبي. كما سقط من الاستعمال الحديث كثير من أوزان الجموع مثل: أحمرة وحُمُر وبقي حمير، واختفى أبطن وأغربة وأكلب وأكالب وبقي بطون وغربان وكلاب.
وعن جمع المؤنث السالم : بدأ منذ القرن الثالث الهجري يزاحم جموع التكسير في النصوص النثرية خاصة عند الكتاب المائلين إلى التفلسف، غير أن معظم ألفاظ هذا الجمع المنتشرة آنذاك لا نجد لها أثرا في العربية المعاصرة. ويوجد حاليا جمعان لكلمة واحدة أحدهما بالألف والتاء والآخر جمع تكسير مثل: إطارات وأطر، ونشاطات وأنشطة، وتمرينات وتمارين، ومشروعات ومشاريع، وهذا كان قليلا في النصوص القديمة.
ولقد تأكد شيوع جمع المصدر بالألف والتاء في العربية المعاصرة من أمثال: طموحات وتشريعات وإخفاقات وصراعات واحتجاجات وانشقاقات وغيرها، ونتحفظ على الرأي القائل بأن هذه الجموع تولدت عن طريق الترجمة مستندين في ذلك إلى ورود أمثال هذه الجموع في التراث العربي بعد عصر الاحتجاج مثل: تصورات وقياسات وتصدعات وتأثيرات وتخطيطات واعتقادات واحتمالات وإطلاقات ومطالبات وتخيلات وغيرها.
وفي السياق نفسه يذكر أن العشرينيات والعشرينات ومثيلاتها وردت في التراث العربي، غير أن مجمع اللغة بالقاهرة لم يقر سوى الجمع الملحقة به ياء النسب. ويضيف أن العرب المعاصرين لما نقلوا ألفاظا أوروبية تنتهي بالواو جمعوها بإضافة اللاحقة "هات" فقالوا: فيديوهات وإستوديوهات وسيناريوهات.



الظواهر النحوية في الفصحى المعاصرة
الموقعية:
الأصل أن يأتي المفعول لأجله متأخرا عن الفعل والفاعل وبعض مكونات الجملة، غير أن العربية المعاصرة شهدت استخدام المفعول لأجله متصدرا الجملة وخاصة في لغة الصحافة من مثل:تلبية لدعوة سابقة يقوم الرئيس الفرنسي بزيارة مصر. ولم يعثر  على مثل هذا التصدر في التراث العربي، ويرى البعض أنه نتيجة التأثر بالأساليب الأجنبية المترجمة كما في اللغة الإنجليزية.
وعن تقدم لفظ التوكيد على المؤكد وإضافته إليه فقد نقل عن بعض الكتاب  جواز ذلك في مثل قولك: نزلت نفس الجبل ونفس الجبل مقابلي. ثم نقل نصوصا من عصور مختلفة تظهر استخدام الكتاب لهذه الظاهرة، مشيرا إلى أنها أصبحت شائعة في العصر الحديث.[3]
وعن تصدير الجملة بظرف أو مجرور –وأصلهما التأخير إلا لأغراض بلاغية- في العربية المعاصرة بأشكال مختلفة من مثل: من ناحيتها أشادت صحيفة الرأي العام.. وعن موقف بلاده من عملية السلام أشاد..، يذكر البعض  أن عود الضمير على متأخر لفظا متقدم رتبة مسألة قديمة لم يبتدعها المحدثون، ويورد طائفة من الأمثال العربية القديمة تسير على هذه الطريقة التركيبية: ببطنه يعدو الذكر، في بيته يؤتى الحكم، من مأمنه يؤتى الحذِر.
المصاحبة:
ومن أهمها مصاحبات الواو للأدوات ولبعض مكونات الجملة. ومنها أنها تأتي سابقة لشبه جملة مثل: كل ما سبق يدل وبوضوح على غياب التخطيط العلمي.. إن ما يؤدي إلى وفاة الأطفال وبسرعة هو حالة الجفاف. ثم  أنها وردت في التراث العربي كما عند الصولي (ت 335هـ): ".. فكلٌّ حكى ذلك وبلا فضيلة إلا البحتري فإنه أغرب في الأبيات"، وعند الفيلسوف مسكويه (ت 421هـ) "فقلت له على مضض غالب وبصوت خافت..".
ومن ذلك ورود الواو قبل اسم الموصول في مثل "ظاهرة الإنارة المستمرة في بعض شوارع العاصمة والتي لا تعرف الإطفاء إلا في حالة تعطل التيار تؤكد لنا.."، و"هذا لا يعود إلى الألفاظ بقدر ما يعود إلى الواقع الاجتماعي والثقافي للجماعة والذي قد لا يفصل بين الاسم والشخص". وهذه أيضا لها أصول في التراث فالجاحظ يقول: "ومن الكلام المتروك والذي زالت أسماؤه مع زوال معانيه: المرباع والنشيطة"، ويقول ابن جني "وقول أبي عثمان (الأسماء) يعني الأسماء المتمكنة والتي يمكن تصريفها".
وعن مجيء الواو بعد "بل" في مثل "نجد المشكلة قائمة بل وتشكل هدرا للإمكانيات"، لا يسلم بكونها ترجمة لإحدى أدوات العطف في اللغة الإنجليزية ولا أنها أسلوب محدث كما قال المعجم الوسيط، وينبه إلى أن هذه الأداة الجديدة تحمل معنى مركبا هو الإضافة والاستدراك. ثم يورد نصوصا يستشهد بها لاستخدامها القديم من مثل قول أبي نواس:ما حجتي فيما أتيت، وما قولي لربي، بل وما عذري وقول الرازي ".. فإن كان كذلك فالثيران والحمير أفضل من الناس لا بل والحيوان غير المائت كله"، وقول ابن سينا "ليس المقابل بالنقيض فقط بل وبالضد".
أما مصاحبة حروف الجر للأفعال والمصادر خلافا للمشهور من قواعد الفصحى، يرى البعض أنها ليست من باب التضمين وإنما بسبب تغير أصاب الفصحى في تاريخها الطويل. ومن أمثلة ذلك  هذه المصاحبة من مثل: أثر عليه بدلا من أثر فيه، وأكد على الأمر بدلا من أكده، ودخول باء الاستبدال على غير المتروك بدلا من دخولها على المتروك، وضحك عليه بدلا من ضحك منه، وأدمن على الشيء بدلا من أدمنه.




الفصل الثاني ( صراع اللغة الفصحى المعاصرة واللغة العامية )


لقد أصبح ضعف اللغة العربية لدى جماهير الناس المتعلمة والمثقفة ظاهرة عمت حياتنا القومية، وتغلغلت في مؤسساتنا المختلفة وأنشطتنا المتعددة ، وهذا الضعف اللغوي في مجتمعاتنا المدنية على امتداد ساحة الوطن العربي الكبير قد يعطي انطباعا خاطئا لمن لا يتحرى الأسباب ان العلة تكمن في طبيعة اللغة وفي صعوبة قواعدها مما يوفر ذريعة لأعداء اللغة العربية في داخل الوطن الكبير وخارجه لطعن اللغة العربية بأسهمهم المسمومة ورميها بالجمود وتخلفها عن مواكبة روح العصر، وبصعوبة نحوها الذي ليس الى فهمه من سبيل ،فيدعون الى استخدام اللهجات العامية في كل بلد عربي بدلا من اللغة الفصيحة وهذه الدعوى قديمة حديثة متجددة، وهي خبيثة وخطيرة على حياة أمتنا. ‏
فاللهجات العامية التي يدعو إليها هؤلاء سوف تتباعد فيما بينها بمرور الايام وتقادم العهد حتى تغدو كل لهجة غريبة عن اللهجة الأخرى وحينئذ يحتاج ابناء كل لهجة الى ترجمة لفهم اللهجة الأخرى. ‏
إن الضعف العام في اللغة وقواعدها ليس مرده إلى طبيعة اللغة ولا إلى صعوبة قواعدها وان كانت عليهما مآخذ، وفيهما جدل، وإنما مردّه الى تخلف الأمة الحضاري في مختلف جوانب حياتها السياسية والفكرية والثقافية والفنية والاقتصادية والاجتماعية، فالضعف العام في اللغة هو أحد افرازات تخلفنا الحضاري الذي يعكس واقع الأمة المأزوم. إنّ الضعف كامن فينا وليس بطبيعة لغتنا او نحوها، فاللغة بأبنائها، بمجتمعها، بأمتها، تقوى بقوتهم، وتضعف بضعفهم، تزدهر بحضارتهم ورقيهم وتنحدر بتخلفهم وانهيارهم وامم العالم الحية تتمسك بلغاتها، وتحرص على اتقانها والدفاع عنها امام كل غزو ثقافي يهدف الى احتوائها او اقتلاعها حرصها على حياتها ووجودها إلاّ نحن نفرط فيها، ولا نلقي بالاً لها، ولا نسعى إلى إتقانها.[4]
أصبحت النخب العربية المثقفة تتباهى باستعمال اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية وغيرها للتخاطب والتواصل وأصبحت اللغة العربية في بعض الأوساط محل ازدراء وسخرية بحيث ينظر إليها على أساس أنها لغة التخلف ولغة الطبقات الكادحة والفقراء والمساكين والمغلوبين على أمرهم.[5]
وإذا عدنا إلى وسائل الإعلام وخاصة بعض القنوات الفضائية، التي أصبحت تهتم بالشكل والمظهر أكثر من الرسالة فنجدها بدلا من خدمة اللغة العربية وتقويتها وتطويرها وتطويعها لمتطلبات الألفية الثالثة والعولمة نجدها تشوّه اللغة العربية وتقضي على أصالتها وغناها من خلال تحريفها وتهميشها والاعتداء عليها.
وإذا نظرنا إلى اللغة العربية المستعملة في المحلات وفي الشوارع من خلال اللافتات واللوحات الإعلانية نلاحظ تلوثاً لغوياً لا مثيل له حيث استعمال الدارجة وكتابة الإعلانات بالحروف اللاتينية واستعمال كلمات إنجليزية أو فرنسية مكتوبة بحروف عربية، ونفس الشيء نجده في الكثير من إعلانات الصحف التي لا تراعي احترام اللغة السليمة على الإطلاق.
هذا الوضع، مع الأسف الشديد، يساهم في نشر ثقافة العامية والدارجة وثقافة الاعتداء على اللغة العربية الفصحى بحجة التبسيط والتطوير والتأقلم مع معطيات العصر. فالإعلام العربي بحاجة ماسة إلى مراجعة خطابه احتراما للهوية العربية والشخصية العربية والسيادة العربية كما من واجبه أن يغرس في النشء روح الغيرة على ثوابته وأصالته وحبه لجذوره لأن اللغة العربية السليمة الفصحى هي من مكونات الشخصية العربية الأصيلة.
ضعف اللغة العربية هذه الأيام يعود إلى عدة عوامل من أهمها ضعف الانتاج العلمي وضعف الصناعات الإعلامية والثقافية والتقليد الأعمى للآخر وثقافة الاستهلاك والاتكال والاعتماد على ما هو معلب وجاهز. [6]
دور الفضائيات العربية في التنافس بين الفصحى والعامية:
من الواضح اليوم أن اللغة العربية الفصحى تواجه صعوبات كبيرة لجهة اتجاه الإعلام العربي إلى استخدام اللهجات العامية المحلية في الاتصال مع المتلقي العربي لاسيما عبر الفضائيات العربية التي تعددت أشكالها وألوانها واختصاصاتها واهتماماتها. ومن الطبيعي أن الإعلاميين العرب والمهتمين باللغة العربية لم يولوا الاهتمام الكافي لمساعدة اللغة العربية على احتواء لغة الحضارة الجديدة المعاصرة، لسبب بسيط أن معظم كتاب ومذيعي ومقدمي البرامج ومعلقين إذاعيين ومترجمين وحتى رجال الدين الذين يقدمون أو يظهرون كضيوف في البرامج الدينية، يفتقد معظمهم الثروة اللغوية المطلوبة، لشد انتباه المتلقي ويعانون نقصا" خطيرا" في فهم قواعد اللغة العربية وأصولها بالإضافة إلى نقص واضح في الثقافة العامة.
إن الاتجاه الذي بدأ يظهر في بعض الفضائيات العربية نحو زيادة الخطاب الإعلامي بل وحتى نشرات الأخبار باللهجات العامية تمثل (بدون أي مبالغة) جزءا" أساسيا" من تيار الحرب الفكرية والنفسية والسياسية التي تستهدف الذهنية العربية وأسلوب التفكير لا بل حتى الوحدة المجتمعية ضمن أقطار الوطن العربي مع ملاحظة التفاوت بشكل نسبي بين بلد عربي وآخر.لذلك فقد انتشرت الكلمات الغامضة والمصطلحات الغريبة والمجتزئة بين الشباب حتى بات الأب أو الأم لا يفهمان عن ماذا يتحدث ابناؤهم وبناتهم كواحدة من النتائج السلبية التي بدأت تظهر ونتلمسها مع هذا التيار الجارف نحو اللهجات العامية في الفضائيات العربية!! حيث صارت اللهجات المحلية عبارة عن لغات تهدد مستقبل اللغة العربية الفصحى بعد أن صارت تستخدم في الفضائيات العربية بنسب تصل إلى تسعين بالمائة كممارسة وكتابة..أي أن الفضائيات ساعدت بشكل كبير على تحويل اللهجات العامية من لغة منطوقة إلى لغة مكتوبة!! قد يفسر بعض الناس ذهابنا لإلقاء الضوء على هذه الظاهرة انحيازا" إلى الهوية القومية وهي وان لم تكن جريمة إلا أننا نقول أن إحياء اللغة العربية الفصحى وإعطاءها القدرة – وهي تملكها – للتعبير عن كل مظاهر الحياة ينفي أي تفكير أو إحساس لدى أبناء الشعب لاسيما الشباب منهم بالغربة ويتيح للغة العربية ان تؤدي دورها كعامل أساسي لتوحيد ثقافة الشعب والأمة. وهذا الأمر يتطلب المزيد من الاهتمام باللغة العربية في مختلف مراحل الدراسة وإعادة النظر في مناهج تدريس اللغة العربية ووضع الخطط والبرامج للنهوض بأساليب استخدامها في التعبير الثقافي والأدبي والعلمي والمعرفي بصورة عامة من دون الركون إلى ضيق المساحة التي تتميز بها العامية حتى على صعيد البلد العربي الواحد الذي تتباين لهجاته بدون شك من مدينة إلى أخرى. وعليه لابد لنا أن نعود إلى الفضائيات والإذاعات العربية باعتبارها ابرز واهم وسائل الاتصال الجماهيرية، ساهمت تلك الفضائيات على الترويج للهجات المحلية خصوصا" في البرامج التمثيلية والمسرحية التي جذبت انتباه المتلقي العربي لاسيما بعد انخفاض مستوى أداء الممثلين والكتاب في اللغة العربية الفصحى في السنوات الأخيرة ما جعلها ثقيلة على مسامع العديد من الشرائح الاجتماعية متباينة الثقافات. أما على صعيد البرامج الإخبارية فان العديد من الفضائيات العربية تتجه اللهجات العامية في بث تلك البرامج على اعتبار أن الخطاب الإعلامي الإخباري لابد أن يخرج من إطار العمومية باستخدام الفصحى إلى إطار التوجه الخاص عبر اللهجات المحلية وهذا الأمر ينطبق حتى على البرامج الإخبارية الحوارية مثل الندوات والمناظرات واللقاءات..الخ..ولكن من الملاحظ أن العديد من مقدمي البرامج يحاولون الاستعانة باللهجات المحلية لجهلهم التعبير باللغة الفصحى خصوصا" المراسلين والعديد من مقدمي البرامج الإخبارية. ولم تستثن برامج الأطفال من خطر استعمال اللهجات العامية فالأطفال تلك الشريحة الاجتماعية التي ستشكل المستقبل الاقتصادي والعلمي والأدبي والفني والثقافي لأي بلد يتعرضون إلى استهانة بقابليتهم على الفهم والاستيعاب عند إصرار مقدمي برامج الأطفال على استخدام اللهجة العامية المحلية والمشكلة أن العلاقات المجتمعية والاقتصادية المعاصرة فرضت وجود مذيعي ومقدمي برامج من أقطار لا بل من مدن عربية تختلف لهجاتها المحلية لذلك نرى صعوبة في تفاعل الأطفال مع البرامج الموجهة إليهم عبر الفضائيات للاختلافات في اللهجات المسموعة عبر تلك البرامج سواء من مقدمي البرامج أو من المشاركين. الجانب الآخر الذي نرى انه من الضروري تسليط الضوء عليه هي قضية الترجمة سواء بالنسبة للأفلام و المسلسلات والبرامج الأجنبية فعلى الرغم من استخدام اللغة العربية الفصحى في الترجمة إلا أن رداءة الترجمة أسلوبا"ونحويا" وصرفا" وحتى إملائيا" هي السمة ا الغالبة على معظم تلك النتاجات ما يدل على أن المترجمين المستخدمين في الفضائيات العربية يلمون باللغة الأجنبية أكثر من إلمامهم باللغة العربية، وهذه مشكلة حتى قد تسيء فهم بعض التصريحات الصحفية المنقولة عبر الفضائيات لسياسيين أو مسؤولين.
خلاصة القول أن الفضائيات العربية لابد أن تعيد النظر في أساليب وطرائق استخدامها للغة العربية الفصحى مشيرين إلى أن العديد من الفضائيات والإذاعات الأجنبية الموجهة إلى الوطن العربي والتي تستخدم اللغة العربية الفصيحة تحقق انتشارا" وسماعا"مقبولا" من جانب المتلقي العربي، كما وان معالجة هذا الخلل الخطير في استخدام اللغة العربية عبر الفضائيات العربية يقع على عاتق الحكومات والمنظمات العربية المعنية بالحفاظ على الهوية الثقافية العربية من الضياع والتشويه في عصر العولمة.


الفصل الثالث ( الاتجاهات المختلفة حول اللغة العربية الفصحى ومشكلة العامية)


تعيش اللهجات العربية المتنوعة إلى جانب اللغة العربية الفصحى في المجتمعات العربية منذ زمن طويل، ويمكن القول إن هذه الظاهرة اللغوية الاجتماعية الراسخة قد جعلت الكتَّاب والمثقفين العرب مرغمين على قبول ثنائية التعامل اليومي مع اللغة العربية الفصحى واللهجة اللغوية السائدة في بيئة كل منهم.
لقد ظل هذا القبول بعيداً عن ترسيم قواعده وأصوله، ثقافياً ورسمياً، على الرغم من تأثيره العميق في حيوات الناس والسلوك اللغوي اليومي لكل منهم، إذ لا يمكن الزعم بأن دعوة بعض المهتمين إلى الكتابة بحسب اللهجة العامية، وما واكبها من ظهور أعمال أدبية مطبوعة بحسب اللهجة العامية، قد ترافق بتأسيس نظري مناسب، فالتوتر في الحوار المصحوب بالتخوين يهيمن على اتجاهات الخائضين في قضية الفصحى واللهجات غالباً. ومن أبرز المواقف التي يمكن مناقشتها في هذه القضية، تبني الدعوة إلى اعتماد اللهجات المحلية لغة لتداول الفكر والآداب والفنون والعلوم، وما تشكله من تأثير واسع، يتنامى مع انتشار سيطرتها في وسائل الإعلام المرئي المتنامي باطراد. بدأت هذه الدعوة في اتجاهين، الأول رأى أصحابه ضرورة الكتابة باللهجة المحلية، ونشر الصحف والمجلات بها ،إلى جانب الفصحى،مسوغين موقفهم بأن جماهير المجتمع الأمية قادرة على فهم المكتوب باللهجة بقراءاته أو سماعه، فهماً أمثل. من أبرز ممثلي هذا الاتجاه عبد الله النديم، أحد قادة الفكر العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وقد استخدم العامية في مقالاته، مشيراً إلى الإيمان بالحاجة إليها لايقاظ الوعي الشعبي، وبكونها تصلح للكتابة، فخصص بابا للعامية في صحيفة (الأستاذ) عام ١٨٩٢، بعد أن أصدر بالعامية مجلته( أبو نظارة) عام (١٨٧٨)، ثم ( التنكيت والتبكيت) عام (١٨٨١) ، فلم يتهمه أحد بالعداء للفصحى أو العجز عنها، ولقيت المجلتان رواجاً منقطع النظير، وغزت مقالات النديم الإصلاحية، قرى الريف ونجوع الصعيد، وآزر قادة اليقظة القومية هذا الاتجاه، وقدروا جدواه)، كما تذكر د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) في كتابها ( لغتنا والحياة). أما الثاني فرأى أصحابه ضرورة الكتابة باللهجة المحلية، ونشر الصحف والمجلات والمؤلفات العلمية بها، مع هجر الفصحى لأنها غير ملائمة للحياة المعاصرة ونهضتها، فضلاً عن صعوبات مواكبة اللغة العربية للعلوم الحديثة المتقدمة في العالم المعاصر، لاسيما العالم الغربي، ومصطلحاتها. وقد مثَّلَ هذا الاتجاه عدد من المستشرقين ، ثم نافح عنه عدد من المثقفين العرب، أبرزهم سلامة موسى في كتابه :(البلاغة العصرية واللغة العربية).
إلى جانب هذين الاتجاهين، برزت فكرة تلقيح العربية الفصحى بالعامية، وهو ما انتشر نظريا وإجرائيا مع عدد من الأدباء والنقاد، لاسيما المصريين، إذ نجد محمد عبد المنعم خفاجي ، في كتابه (مذاهب الأدب)يثني على أحمد أمين قائلاً: ( وينادي في كتابه ( فن القول) بتلقيح العربية بالعامية بإحياء الألفاظ العامية وإدخالها في الأداء الأدبي). وهذا القول ينسجم مع توجه كمال يوسف الحاج، في لبنان، إذ يرفض الجدل بين أنصار العامية والفصحى ويدعو لوجودهما كلتيهما، ويرى أن في الإنسان وجداناً وعقلاً وأن الأولى مهمة للتعبير عن الأول والثانية للتعبير عن الثاني. إن التساهل لدى بعضهم في مناقشة هذه القضية الخطيرة، يبقى محدودا، فلا اعتراف باللهجات المحلية للأقطار العربية، لدى كثير من الباحثين الذين يقرون عادة بوجود اللهجات المحلية، لكنهم يتهربون من ترتيب العلاقات الواقعية بين الفصحى واللهجات، فتنطلق ( بنت الشاطىء) د. عائشة عبد الرحمن في كتابها ( لغتنا والحياة) من الإقرار بأن (اللغة العربية هي اللسان القومي لشعوب الوطن العربي)، وإعلان عدم الاعتراف باللهجات ( لسان قومية)، ووسيلة تفاهم مشترك، وأداة اتصال فكري عبر الحدود)، قائلة: ( ومهما تختلف اللهجات المحلية لهذه الأقطار، فإنها لاتعرف غير العربية لسانَ قوميةٍ، ووسيلةَ تفاهم مشترك، وأداةَ اتصالٍ فكريٍّ عبر الحدود والمسافات). أمام الشعور بأهمية القضية، تتكرر صيحات إعلان خطر اللهجات على القومية العربية والعربية الفصحى، من حين إلى حين، فينقل معاصرو الشاعر أحمد شوقي قوله ذات يوم:(إنني أخشى على الفصحى من بيرم)،- أي بيرم التونسي الشاعر الذي كتب قصائده باللهجة المصرية، وتحققت له شهرة ومكانة واسعتان-، وهذه الخشية ملموسة في مؤلفات كثير من الأدباء والباحثين، يعبر عنها موقف عبد المعين ملوحي الذي يرى فيما يراه، أن خطر اللهجات لا يهدد العربية الفصحى فقط، فهو خطر على وجود الأمة، ويقول:( العرب أمة واحدة ولها لغة واحدة، أمَّا تفرُّدُ كلِّ قطر ٍبلهجة فسيؤدي إلى نشوء أمم عدة، كما حدث عندما توزعت اللغة اللاتينية إلى لهجات وأصبحت كلُّ لهجةٍ لغةَ أمة كالأمة الفرنسية أوالإيطالية أو الأسبانية). لقد مر زمن طويل على نشوء الحوار الثقافي العربي، حول العامية والفصحى، ودوريهما في الأدب والحياة، وإذ تعيد الثقافة العربية تجديد الأسئلة الجوهرية لمشاريع نهضتها الحديثة المتنامية منذ مطالع القرن التاسع عشر، يفرض هذا الحوار مكوناته وعناصره من جديد، باحثاً عن أجوبة مناسبة تدرك خطورة المهمات الجليلة التي تضطلع بها.






















خاتمة


في نهاية هذا البحث نخرج بتساؤلات حول مسائل هامة بحاجة إلى دراسة عميقة يقوم بها علماء اللغة وخاصة لجان المجامع اللغوية. ومن هذه المسائل:
·    مفهوم الفصحى المعاصرة نفسه وهل يصح إطلاق لفظ الفصاحة على العربية المعاصرة؟ وما يستتبع ذلك من نظرة جديدة لمصطلح الفصاحة.
·    معيار الخطأ والصواب في اللغة العربية، فالصواب سلوك أهل اللغة الفعلي دون شعور بخطأ قاموا به، وهذا –ربما- قد يفتح المجال واسعا أمام القول المشهور "خطأ شائع خير من صواب مهجور" إذا لم توضع ضوابط محددة.
·    استكمال التأصيل التاريخي لظواهر العربية المعاصرة تمهيدا للحكم عليها بالصواب أو الخطأ بحسب المعيار الذي يتم الاتفاق عليه. وهذا عمل لا شك في صعوبته، لكنه أيضا لا شك في أهميته بل وفي ضرورته الملحة خدمة للغة العربية حتى لا يصيبها ما أصاب لغات كثيرة من الاندثار والذوبان.


المراجع :
1.      عباس السوسوة ، العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية، الطبعة: الأولى ، دار غريب، القاهرة، 2002  .
2.      حسين العساف ، نكبة اللغة العربية ، مقال منشور ، مجلة  تشرين ، 20 يناير 2003
3.      د.محمد قيراط  ، لغة الضاد بين العامية والفصحى ، البيان ، الأربعاء 17 مايو 2006 ، ا لسنة السادسة والعشرون، العدد 9464 .




[1] - عباس السوسوة ، العربية الفصحى المعاصرة وأصولها التراثية، الطبعة: الأولى ، دار غريب، القاهرة، 2002  .
[2] - المرجع السابق .
[3] - المرجع السابق .
[4] - ‏ حسين العساف ، تشرين ، 20 يناير 2003
[5] - د.محمد قيراط  ، لغة الضاد بين العامية والفصحى ، البيان ، الأربعاء 17 مايو 2006 ،19ربيع  الاَخر 1427هـ ا لسنة السادسة والعشرون، العدد 9464
[6] - المرجع السابق .

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مرات مشاهدة الصفحة

جميع الحقوق محفوظة

النجباء

2016