-->
النجباء النجباء
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

المعاجم اللغوية العربية





  

المعاجم اللغوية العربية





مقدمة :
يحتلّ المعجم مكانةً ساميةً عند جميع الأمم التي تحافظ على لغتها وتراثها ، فهو ديوان اللغة ، وعنه يأخذون ألفاظها ويكشفون غوامضها ، ولذا لا يكاد فردٌ من أفراد الأمّة ممّن لديه قسطٌ من العلم يستغني عن الرجوع إلى المعجم .
وقد أصبح علم المعجم علماً واسعاً ذا جوانب عديدة ، وأصبح له نظرياتٌ تتناول أسس صناعته ، وأصبحت الدراسات المعجمية تحتلّ حيّزاً كبيراً من الدراسات اللغوية الحديثة ، ولم يقتصر هذا العلم على صناعة المعجم كما كان يغلب على الجهود السابقة، بل أصبحت هذه الصناعة تخضع لقواعد وأسس دقيقة ، وصارت تُوزن بمعايير ثابتة تدلّ على نضج هذا العلم.
وممّا أسهم في نضجه تلاقحُ الدراسات حول هذا الفنّ لدى العديد من الشعوب بلغاتهم المختلفة ، فقد كانت صناعة المعجم عند علماء العربية نابعةً من التراث العربيّ دون غيره ، ولذا عُدّ إبداعاً من إبداعات علماء العربية ، أمّا في عصرنا الحاضر فقد أصبحت صناعة المعجم عالميّةً أسهم في تطوّرها لغويون من بلادٍ شتّى ولغاتٍ مختلفة .
وتطوّر هذه الصناعة في العصر الحاضر لا ينفي ما تميّز به العرب في هذا الميدان وسبقهم الأمم الأخرى ، فقد فاقوا غيرهم في صناعة المعجم ، وتعدّدت طرقُه لديهم ، واختلفت أنواعه اختلافاً أثرى الدراسات حوله ، حتّى أقرّ بتفوّقهم غيرُهم من علماء اللغات الأخرى ، فهذا المستشرق الألماني أوجست فيشر يقول مبرزاً تفوّق العرب :" وإذا استثنينا الصين فلا يوجدُ شعبٌ آخرُ يحقّ له الفَخارُ بوفرةِ كتبِ علومِ لغتِه ، وبشعورِه المبكرِ بحاجته إلى تنسيقِ مفرداتها ، بحَسْبِ أصولٍ وقواعدَ غيرَ العرب" .
وقال هايوود :" إن العرب في مجال المعجم يحتلّون مكان المركز ، سواءً في الزمان أو المكان ، بالنسبة للعالم القديمِ أو الحديثِ ، وبالنسبة للشرقِ أو الغربِ " .
ولأهميّة هذا الميدان تأتي هذه الصفحات لطرح بعض القضايا ذات الصلة بالمعجم ، مع علمي أنّه ميدانٌ واسعٌ لا يفي به هذا .
ولأهمية ميدان المعجم  وخاصة صناعته كان هذا البحث المتواضع ، وفيه سوف نتحدث عن نشأة علم الدلالة كمسار تاريخي وكمدخل للبحث ثم نذكر نظرية الحقول الدلاليلة وصناعة المعاجم ثم نخصص عدة مباحث حول مراحل صناعة المعاجم ومنهجية صناعة المعجم والمعجم التاريخي ، وفي نهاية البحث نتحدث عن شخصيتين قدما خدمات جليلة لتلك الصناعة من المحدثين .
ولا يسعني هنا سوى تقديم الشكر لكل من تعاون معي وأمدي بالمراجع التي اعتمدت عليها ، وأخص بالشكر السيد الدكتور على رعايته لهذا العمل ، والله الموفق .



المبحث الأول : نشأة علم الدلالة: المسار التطوري التاريخي [1]
      
لقد استقطبت اللغة اهتمام المفكرين منذ أمد بعيد، لأن عليها مدار حياة مجتمعاتهم الفكرية والاجتماعية، وبها قوام فهم كتبهم المقدسة، كما كان شأن الهنود قديماً حيث كان كتابهم الديني (الفيدا) منبع الدراسات اللغوية والألسنية على الخصوص التي قامت حوله، ومن ثمة غدت اللسانيات الإطار العام الذي اتخذت فيه اللغة مادة للدراسة والبحث. وكان الجدل الطويل الذي دار حول نشأة اللغة قد أثار عدة قضايا تعد المحاور الرئيسية لعلم الألسنية الحديث فمن جملة الآراء التي أوردها العلماء حول نشأة اللغة قولهم: "بوجود علاقة ضرورية بين اللفظ والمعنى شبيهة بالعلاقة اللزومية بين النار والدخان." إن المباحث الدلالية قد أولت اهتماماً كبيراً علاقة اللفظ بالمعنى، وارتبط هذا بفهم طبيعة المفردات والجمل من جهة وفهم طبيعة المعنى من جهة أخرى، فلقد درس الهنود مختلف الأصناف التي تشكل عالم الموجودات، وقسموا دلالات الكلمات بناء على ذلك إلى أربعة أقسام:‏
·        قسم يدل على مدلول عام أو شامل (مثل لفظ: رجل)‏
·        قسم يدل على كيفية (مثل كلمة: طويل)‏
·        قسم يدل على حدث (مثل الفعل: جاء)‏
·        قسم يدل على ذات (مثل الاسم: محمد)
إن دراسة المعنى في اللغة بدأ منذ أن حصل للإنسان وعي لغوي، فلقد كان هذا مع علماء اللغة الهنود، كما كان لليونان أثرهم البين في بلورة مفاهيم لها صلة وثيقة بعلم الدلالة، فلقد حاور أفلاطون أستاذه سقراط حول موضوع العلاقة بين اللفظ ومعناه، وكان أفلاطون يميل إلى القول بالعلاقة الطبيعية بين الدال ومدلوله، أما أرسطو فكان يقول باصطلاحية العلاقة، وذهب إلى أن قسم الكلام إلى كلام خارجي وكلام داخلي في النفس، فضلاً على تمييزه بين الصوت والمعنى معتبراً المعنى متطابقاً مع التصور الذي يحمله العقل عنه. وقد تبلورت هذه المباحث اللغوية عند اليونان حتى غدا لكل رأي أنصاره من المفكرين فتأسست بناء على ذلك مدارس أرست قواعد هامة في مجال دراسة اللغة كمدرسة الرواقيين.
ومدرسة الإسكندرية ثم كان لعلماء الرومان جهد معتبر في الدراسات اللغوية خاصة ما تعلق منها بالنحو، وإليهم يرجع الفضل في وضع الكتب المدرسية التي بقيت صالحة إلى حدود القرن السابع عشر بما حوته من النحو اللاتيني، وبلغت العلوم اللغوية من النضج والثراء مبلغاً كبيراً في العصر الوسيط مع المدرسة السكولائية (Scolastique) والتي احتدم فيها الصراع حول طبيعة العلاقة بين الكلمات ومدلولاتها، وانقسم المفكرون في هذه المدرسة إلى قائل بعرفية العلاقة بين الألفاظ ودلالاتها وقائل بذاتية العلاقة.‏
وبقي الاهتمام بالمباحث الدلالية يزداد عبر مراحل التاريخ، ولم يدخر المفكرون أي جهد من أجل تقديم التفسيرات الكافية لمجمل القضايا اللغوية التي فرضت نفسها على ساحة الفكر، ففي عصر النهضة، أين سادت "الكلاسيكية" بأنماطها في التفكير والتأليف امتازت الدراسات اللغوية في هذه المرحلة بالمنحى المنطقي العقلي، وأحسن من يمثل هذه الفترة رواد مدرسة (بوررويال) الذين رفعوا مقولة: أن اللغة ما هي إلا صورة للعقل، وأن النظام الذي يسود لغات البشر جميعاً قوامه العقل والمنطق.
وفي حدود القرن التاسع عشر الميلادي، تشعبت الدراسات اللغوية، فلزم ذلك تخصص البحث في جانب معين من اللغة، فظهرت النظريات اللسانية وتعددت المناهج، فبرزت الفونولوجيا التي اهتمت بدراسة وظائف الأصوات إلى جانب علم الفونتيك الذي يهتم بدراسة الأصوات المجردة، كما برزت الأتيمولوجيا التي اعتنت بدراسة الاشتقاقات في اللغة، ثم علم الأبنية والتراكيب الذي يختص بدراسة الجانب النحوي وربطه بالجانب الدلالي في بناء الجملة.‏
وفي الجانب الآخر من العالم، كان المفكرون العرب قد خصصوا للبحوث اللغوية حيزاً واسعاً في إنتاجهم الموسوعي الذي يضم إلى جانب العلوم النظرية كالمنطق والفلسفة علوماً لغوية قد مست كل جوانب الفكر عندهم، سواء تعلق الأمر بالعلوم الشرعية كالفقه والحديث، أو علوم العربية، كالنحو والصرف والبلاغة، بل إنهم كانوا يعدون علوم العربية نفسها وتعلمها من المفاتيح الضرورية للتبحر في فهم العلوم الشرعية، ولذلك "تأثرت [العلوم اللغوية] بعلوم الدين وخضعت لتوجيهاتها. وقد تفاعلت الدراسات اللغوية مع الدراسات الفقهية، وبنى اللغويون أحكامهم على أصول دراسة القرآن والحديث والقراءات، وقالوا في أمور اللغة بالسماع والقياس والإجماع والاستصلاح تماماً كما فعل الفقهاء في معالجة أمور علوم الدين". ولما كانت علوم الدين تهدف إلى استنباط الأحكام الفقهية ووضع القواعد الأصولية للفقه، اهتم العلماء بدلالة الألفاظ والتراكيب وتوسعوا في فهم معاني نصوص القرآن والحديث. واحتاج ذلك منهم إلى وضع أسس نظرية، فيها من مبادئ الفلسفة والمنطق ما يدل على تأثر العرب بالمفاهيم اليونانية ولذلك يؤكد عادل الفاخوري أنه "ليس من مبالغة في القول إن الفكر العربي استطاع أن يتوصل في مرحلته المتأخرة إلى وضع نظرية مستقلة وشاملة يمكن اعتبارها أكمل النظريات التي سبقت الأبحاث المعاصرة." فالأبحاث الدلالية في الفكر العربي التراثي، لا يمكن حصرها في حقل معين من الإنتاج الفكري بل هي تتوزع لتشمل مساحة شاسعة من العلوم لأنها مدينة "للتحاور بين المنطق وعلوم المناظرة وأصول الفقه والتفسير والنقد الأدبي والبيان." هذا التلاقح بين هذه العلوم النظرية واللغوية هو الذي أنتج ذلك الفكر الدلالي العربي، الذي أرسى قواعد تعد الآن المنطلقات الأساسية لعلم الدلالة وعلم السيمياء على السواء، بل إنك لا تجد كبير فرق بين علماء الدلالة في العصر الحديث وبين علماء العرب القدامى الذين ساهموا في تأسيس وعي دلالي هام، يمكن رصده في نتاج الفلاسفة واللغويين وعلماء الأصول والفقهاء والأدباء، "فالبحوث الدلالية العربية تمتد من القرون الثالث والرابع والخامس الهجرية إلى سائر القرون التالية لها، وهذا التأريخ المبكر إنما يعني نضجاً أحرزته العربية وأصّله الدارسون في جوانبها."
إن هذه الجهود اللغوية في التراث العربي لأسلافنا الباحثين، وتلك الأبحاث التي اضطلع بها اللغويون القدامى من الهنود واليونان واللاتين وعلماء العصر الوسيط وعصر النهضة الأوروبية، فتحت كلها منافذ كبيرة للدرس اللغوي الحديث وأرست قواعد هامة في البحث الألسني والدلالي، استفاد منها علماء اللغة المحدثون بحيث سعوا إلى تشكيل هذا التراكم اللغوي المعرفي في نمط علمي يستند إلى مناهج وأصول ومعايير، وهو ما تجسم في تقدم العالم الفرنسي (ميشال بريال M.Breal) في الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى وضع مصطلح يشرف من خلاله على البحث في الدلالة، واقترح دخوله اللغة العلمية، هذا المصطلح هو "السيمانتيك" يقول بريال: "إن الدراسة التي ندعو إليها القارئ هي نوع حديث للغاية بحيث لم تسم بعد، نعم، لقد اهتم معظم اللسانيين بجسم وشكل الكلمات، وما انتبهوا قط إلى القوانين التي تنتظم تغير المعاني، وانتقاء العبارات الجديدة والوقوف على تاريخ ميلادها ووفاتها، وبما أن هذه الدراسة تستحق اسماً خاصاً بها، فإننا نطلق عليها اسم "سيمانتيك" للدلالة على علم المعاني.
إن العالم اللغوي (بريال) انطلق- دون ريب- في تحديد موضوع علم الدلالة ومصطلحه من جهود من سبقه من علماء اللغة الذين وفروا مفاهيم مختلفة تخص المنظومة اللغوية من جميع جوانبها يقول الدكتور كمال محمد بشر: "إن دراسة المعنى بوصفه فرعاً مستقلاً عن علم اللغة، قد ظهرت أول ما ظهرت سنة 1839، لكن هذه الدراسة لم تعرف بهذا الاسم (السيمانتيك) إلا بعد فترة طويلة أي سنة 1883 عندما ابتكر العالم الفرنسي (م.بريال) المصطلح الحديث." إلا أن المؤرخين اللغويين لظهور علم الدلالة يجمعون على أن فضل (بريال) يكمن في تخصيصه كتاباً استقل بدراسة المعنى هو كتاب (محاولة في علم المعاني) بسط فيه القول عن ماهية علم الدلالة، وأبدع منهجاً جديداً في دراسة المعنى هو المنهج الذي ينطلق من الكلمات نفسها لمعاينة الدلالات دون ربط ذلك بالظواهر اللغوية الأخرى. ويمكن أن نرسم معالم هذا المنهج اللغوي الجديد انطلاقاً من النص الذي أورده (بريال) في سياق تعريفه بعلم الدلالة:‏
أولاً: إذا كانت اللسانيات تهتم بشكل الكلمات، فإن علم الدلالة (السيمانتيك) يهتم بجوهر هذه الكلمات ومضامينها.‏
ثانياً: الهدف الذي ينشده علم الدلالة هو الوقوف على القوانين التي تنتظم تغيّر المعاني وتطورها، والقواعد التي تسير وفقها اللغة، وذلك بالاطلاع على النصوص اللغوية بقصد ضبط المعاني المختلفة بأدوات محددة وفي هذا سعي حثيث إلى التنويع في التراكيب اللغوية لأداء وظائف دلالية معينة، وهذا التنويع هو الذي يثري اللغة إثراء يحفظ أصول هذه اللغة، ولا يكون حاجزاً أمام تطورها وتجددها ويمكن في خضم البحث عن هذه النواميس "خلق" نواميس لغوية جديدة لكي تشرف على النظام الكلامي بين أهل اللغة لأن "عالم اللسان يكون همه الوعي باللغة عبر إدراك نواميس السلوك الكلامي"!!
ثالثاً: اتباع المنهج التطوري التأصيلي الذي يقف على ميلاد الكلمات ويتتبعها في مسارها التاريخي، وقد يردها إلى أصولها الأولى "لأن اللغة مؤسسة اجتماعية تحكمها نواميس مفروضة على الأفراد، تتناقلها الأجيال بضرب من الحتمية التاريخية، إذ كل ما في اللغة- راهناً- إنما هو منقول عن أشكال سابقة هي الأخرى منحدرة من أنماط أكثر بدائية، وهكذا إلى الأصل الأوحد أو الأصول الأولية المتعددة" فالنظام اللغوي، نظام متجدد ما دامت الكلمات لا تخضع لقانون ثابت يلزمها بمدلولاتها، فاللغة تنتظمها نواميس خفية تعود إلى اقتضاءات تعبيرية هي جزء من النظام الكلي الذي تسير وفقه اللغة، وتصرف دلالات تراكيبها.‏
هذه النقاط الثلاث هي الأطر الكبرى التي يندرج ضمنها منهج (ميشال بريال) في علم الدلالة ومعه تحديد لمجمل فروع البحث في هذا المجال.‏
بين علم الدلالة وعلم اللسانيات:‏
إن نشأة علم الدلالة، لم تكن نشأة مستقلة عن علوم اللغة الأخرى. إنما كان يعد هذا العلم جزءاً لصيقاً بعلم اللسانيات الذي كان يهتم بدراسة اللسان البشري، إلا أن عدم اهتمام علماء اللسانيات بدلالة الكلمات- كما أشار إلى ذلك (بريال)- هو الذي كان دافعاً لبعض العلماء اللغويين إلى البحث عن مجال علمي يضم بحثاً في جوهر الكلمات ودلالاتها، لكي يحددوا ضمنه موضوعاته ومعاييره وقواعده ومناهجه وأدواته وما كان ذلك يسيراً خاصة إذا علمنا ذلك التداخل المتشابك الذي كان يجمع بين علوم اللغة مجتمعة وعلم الألسنية الذي ذهب علماؤه إلى تفريعه إلى مباحث جمعت بين حقول مختلفة من العلوم كما هو شأن اللسانيات النفسية (psycolinguistique)، ومبحث اللسانيات العصبية neuro-linguistique وما إلى ذلك. إن العلم اللساني كان يهتم بوصف الجوانب الصورية للغة ويتجنب الخوض في استبطان جوهر الكلمات ومعانيها الذي أصبح من اهتمامات علم الدلالة (الحديث)، ثم إن ضرورة الإحاطة ببعد اللغة الاجتماعي والثقافي والنفسي وتتبع سيرورة المعنى الديناميكي كل هذه حواجز وقفت أمام علماء اللسانيات، فاستبعدوا بذلك الخوض في دراسة المعنى وركزوا بحوثهم على شكل الكلمات، إلى أن برز علم الدلالة ليسد هذا الفراغ في الدراسات اللغوية من جهة ويعمق البحث في الجانب الدلالي للغة من جهة أخرى، ويجتاز تلك الحواجز التي حالت دون أن يخوض اللسانيون في دراسة المعنى، "لأن علم الدلالة هو ميدان يتجاوز حدود اللسانيات التي يتعين عليها وصف الجوانب الصورية للغة قبل كل شيء، فالدلالة ليست ظاهرة لغوية صرفاً وإذا كان بالإمكان بناء الحقول الدلالية فإنه ينبغي آنذاك الاعتماد على المعطيات الخارجية فقط.. (…)‏
إن بعد اللغة الاجتماعي والثقافي من العوائق التي تقف أمام الدراسات الدلالية الحديثة ويمكن تحديد ذلك فيما يلي:‏
تعدد القيم الحافة بدلالة الألفاظ المركزية.‏
ب- إن دلالة اللفظ ليست ظاهرة قارة ذلك أنه يمكنها أن تعتني دوماً بحسب التجارب الجديدة (اللغوية وغيرها التي يخبرها المتكلم)".‏
إن هذه المباحث المتشعبة التي هي من صميم اهتمامات علم الدلالة، هي التي دفعت علماء الألسنية ومنهم التوزيعيين إلى إبعاد دراسة الدلالة من اللسانيات. والحقيقة التي لا مراء فيها أن دراسة المعنى لم تخل منه أي مباحث لغوية سواء أكانت قديمة أم حديثة، ذلك أنه لا يمكن تصور دراسة الكلمات وهي جوفاء خالية من الدلالات. وهذا ما عبر عنه سوسير في سياق حديثه عن الدال والمدلول وشبه اتحاد الكلمات ودلالتها بوجهي الورقة الواحدة.‏
إن علم الدلالة كمبحث من المباحث اللغوية حسب ماهية اللسانيات، يهتم بحلقة من حلقات علم اللسان البشري، هذه الحلقة تكمن في المظهر الإبلاغي وما يتعلق به، فالرسالة الإبلاغية هي التي تضطلع بنقل دلالة الخطاب إلى المتلقي بحيث يتم- في الحالات العادية- استيعابها استيعاباً كافياً، "فالدراسة اللسانية لا تقف عند تشخيص الحدث اللغوي في مستواه الأدائي، ولكن في سلكه الدائري إذ تهتم اللسانيات بتولد الحدث وبلوغه وظيفته ثم بتحقيقه مردوده عندما يولد رد الفعل المنشود، وهكذا يكون موضوع علم اللسان اللغة في مظهرها الأدائي ومظهرها الإبلاغي وأخيراً في مظهرها التواصلي.
لقد ولجت اللسانيات كل مجالات الاتصالات الإنسانية حتى غدت ملتقى لكل العلوم الإنسانية واعتمدت في الخطاب بأنواعه، ولا يمكن أن نقيم هذا الدور الرائد في مجالات الحياة للألسنية دون أن نقر بحضور الدلالة في ذلك، كفرع أساسي ومهم في فعالية الخطاب "فاللسانيات تستلهم الظاهرة اللغوية ونواميسها من مصادر لسانية وغير لسانية فتعمد إلى إجراء مقطع عمودي على كل منتجات الفكر، بمنظور مخصوص فبعد البحث عن خصائص الخطاب الإخباري والخطاب الشعري الأدبي، تعمد اللسانيات إلى دراسة نواميس الخطاب العلمي والقضائي والإشهاري والديني والمذهبي.
ولم يكن للألسنية هذا الاهتمام الواسع باللغة الإنسانية، إلا بعد أن ظهرت في أوربا مدارس بنيوية عاينت الظاهرة اللغوية من كل جوانبها: الجانب الصوتي، والجانب المعجمي، والجانب التركيبي والجانب الدلالي، واستقر لديها أن "الألسنية هي دراسة اللغة بحد ذاتها دراسة علمية، وتحليل خصائصها النوعية، بغية الوصول إلى نواميس عملها". وأن "اللغة تنظيم، وهذا التنظيم وظيفي، يتوسله الإنسان للتعبير عن أغراضه ولعملية التواصل" فلم تعد الألسنية تهتم بشكل الكلمات فحسب، بل أعطت لجوهر هذه الكلمات أهمية كبيرة، وذلك بعد ما تأكد لدى علماء الألسنية، أن البحث الألسني يبقى ناقصاً ما لم يهتم بجوانب اللغة جميعها، ويظل حكمه على الظواهر اللغوية يفتقد إلى طابع المعيارية التي تسم ديناميكية اللغة وفعاليتها بسمة التقعيد. ولم يحصل هذا الوعي اللغوي في البحث الألسني إلا مع العلماء اللغويين المتأخرين كالعالم الأمريكي "بلومفيلد" الذي كان يرى أن الدراسة الألسنية، لا تنحصر بدراسة الأصوات والدلالات اللغوية بذاتها، بل تشمل دراسة الارتباط القائم بين أصوات معينة ودلالات معينة (…)، وجدير بالذكر أن مفهوم ارتباط الصوت اللغوي بالدلالة، قد تبنته الألسنية بصورة عامة.
وبعد هذا التزاوج الذي لزم علم الألسنية الأخذ به، تبين لعلماء اللغة المحدثين أن الجانب الدلالي في اللغة لا يزال البحث فيه هزيلاً كما كان في القديم، وأنه محتاج إلى نظرة أخرى على مستوى البحث وعلى مستوى المنهج، رغم ما قدمته العلوم المستحدثة من نظريات أنارت جوانب مهمة من علم الدلالة كنظريات الإعلام والتواصل والمعلوماتية. يقول في ذلك الكاتبان: ريمون طحان ودينر بيطار طحان: "يقترن الكلام أو الأصوات، بنظريات الدلالة العامة، وكان علم الدلالة الجزء الهزيل من النظريات الألسنية، وقد أصبح يفضل نظريات الإعلام والتواصل والمعلوماتية، مزوداً بمؤشرات سليمة منها أن المتكلمين بلغة واحدة يتبنون المعنى الواحد في الكلام الواحد أو الجملة الواحدة".‏
وبعد ذلك توفر لعلم الدلالة وجود مستقل، وإن بقيت تربطه بعلوم اللغة الأخرى- وخاصة الألسنية- وشائج تتجلى بصورة واضحة في مجالات البحث. حيث يبرز التقاطع بين هذه العلوم مجتمعة. ولكن ما يميز البحث الدلالي، هو عمق الدراسة في معنى الكلمات والتراكيب متخذاً في ذلك منهجاً خاصاً يتوخى المعيارية في اللغة والكلام، "والعلوم إذا اختلفت في المنهج تباينت في الهوية وقوام العلوم ليست فحسب مواضيع بحثها وإنما يستقيم العلم بموضوع ومنهج". وتبعاً لذلك اتسع نطاق البحث الدلالي، وأحرز علماء العرب سبقاً في هذا المجال حيث برز لغويون كثيرون وضعوا نظريات مختلفة وأرسوا بذلك قواعد أضحت مدارس دلالية، تنظر إلى قضية "المعنى" بنظريات مختلفة، وداخل المنهج الأوحد للبحث الدلالي ظهرت مناهج فرعية رأى أصحابها نجاعتها في تقديم الأجوبة الكافية لمختلف المسائل التي طرحت في الدراسات الدلالية، والتي عجز عنها البحث اللغوي قبلها، ولكن ما هي القضايا الأساسية التي طرحها الدرس الدلالي الحديث؟ وما هي المباحث اللغوية التي اختص بها علم الدلالة حتى غدت مجالاً خاصة به، تعبر عن خصوصية هذا العلم واستقلاله عن بقية العلوم اللغوية الأخرى؟‏



المبحث الثاني : نظرية الحقول الدلالية وصناعة المعجم [2]


تؤكّد الدراسات الدلالية أنّ أمماً كثيرة عرفت المعاجم منذ أقدم العصور، ألّفتها لتكون خزائن تحيط بمادّة لغتها فوضع الصينيون في سنة (150) قبل الميلاد معجماً عنوانه شوو – أوان (SCHWO- WAN) وفي سنة (530) بعد الميلاد ألّف كويي- وانج (KU- YE- WANG) معجما آخر اسمه يو- بيين (YU- PIEN).
وأسهمت الأمّة الرومانية في التأليف المعجمي، إذ عرفت معاجم منها "معاني الألفاظ" الذي ألّفه "هزيشيوس السكندري" (HESYSHIUS) في القرن الرابع الميلادي، وهو معجم للّهجات والتعابير، وألّف "أمونيوس السكندري" (AMMONIUS) معجماً لمعاني المشترك اللفظي.
أمّا اليونان فمن معاجمهم معجم الغريب لـ "هلاديوس السكندري" (HELLADIUS) في القرن الرابع الميلادي، ومعجم "يوليوس بولوكس" الذي رتبّه بحسب الموضوعات.
وعرفت الأمّة العربية – كما أشرنا سابقاً- أنواعاً من المعاجم، يمكن اعتبارها متطوّرة بحسب الزمان الذي ألّفت فيه حتّى أصبحت بعد مرحلة من تاريخ التأليف المعجمي أساساً لعلم مستقل بذاته.
وشهدت المعاجم لدى الأمّة العربية- بعدما أفادت من تجارب الشعوب التي سبقتها – تطوّراً ملحوظاً، وغدت منهلا يستقي منها الدارس معارفه وشروحه، وعرفت عدداً ضخماً من المعاجم وأنواعاً كثيرة يكاد يفوق ما أنتجته الأمم الأخرى سواء في عصورها القديمة أو ما تنتجه في العصر الحديث.
ولمّا كانت الثقافة العربية المعاصرة تشهد وعياً منهجياً بسبب التأثّر بالعلوم الحديثة، فإنّنا نجد نظريات ومناهج تناولت المعجم العربي قصد مقاربته، وضبط مساره، والوقوف على رصد جميع مفرداته، وترتيب مواده وتعريف مداخله، حتى يكون مؤهلاً لمستجدات العصر، وتسارع المعلومات، والمعجمية الحاسوبية.
والواقع "إنّ صناعة المعاجم في الدرس اللغوي العربي اليوم في أزمة، وهي بعيدة كل البعد عن مسايرة التقدم الفكري والحضاري في العالم الغربي الحديث، وفي العالم الكبير الذي يعيش المدنية المذهلة التي انبثق عنها هذا النصف الأخير من هذا القرن".
وقصارى القول إنّ المعجم العربي الحديث ما يزال في حاجة إلى تضافر جهود اللغويين والأدباء والأطباء والمهندسين وغيرهم، وإلى وعي بأهميته وأهمية اللغة في حدّ ذاتها في المجتمع، فبدون "الوعي اللغوي العام، لا يستطيع أي تنظيم لغوي، مهما بلغ من القوّة والدقة أن يصيب الهدف بإحكام".
وأهمّ إنجازات المعجمية العربية الحديثة هي محاولة الباحثين إظهار القديم في حُلَلٍ جديدة، وهو لعمري لم يضف شيئاً جوهرياً إلى تلك الصناعة، فهي "لا تكاد تختلف عن المعجمات القديمة إلاّ في حسن التنسيق، ونظام الترتيب، واستخدام بعض وسائل الإيضاح، كرسم ما تدلّ عليه الكلمة من حيوان، أو نبات، أو جماد، وتعرّضها أحياناً إلى بعض المصطلحات الحديثة في العلوم والفنون والصناعات.. وما إلى ذلك".
ومهما يكن من أمر، فإنّ مقدّمات المعجميين العرب القدامى تبيّن أنّهم أرادوا أن يضعوا للناس عملاً في هذا الحقل أو ذاك كي ييسّروا لهم الطريق، ويبصروهم بالأصول من أقصر غاية، وهذه الروح الأصيلة في عملهم هي السرّ وراء خلود تراثهم وبقائه حيّاً إلى اليوم، تفيد منه الأجيال المتعاقبة والأمم المختلفة.
إنّ المعاجم العربية القديمة والحديثة على عظمة الخدمة التي أدّتها، وما تزال تؤدّيها للعربية، ظلّت عاجزة عن مسايرة النهضة الفكرية التي تشهدها البلاد العربية ومتابعة تطوّر العلوم والمعارف، مما يزيد الشعور كل يوم بالحاجة الماسة إلى معجم حديث يضاهي المعاجم المعروفة في اللغات الأجنبية، ويتسع لمصطلحات الفنون والتقنيات، وألفاظ الحضارة التي تشهدها البشرية في هذا القرن.
على أنّ هذا الشعور مشروط بوجوب إغناء المعجم العربي بما جاء في التراث القديم استناداً إلى خصائص العربية ومرونتها إلى حدّ يمكنه استيعاب كلّ جديد تدعو إليه ضرورة أو يتطلبه علم أو فنّ.
ولا ضير على العربية من أن يحوي معجمها أيّ لفظ مولّد أو معرّب أو دخيل إذا خضع اشتقاقه للقواعد القياسية التي وضعها علماء اللغة ، ولقد كان ذلك نهج القدماء، حيث احتوت المعاجم كثيراً من مصطلحات عصرهم، فمنها ما هو أصيل، ومنها ما هو من صميم اجتهاد اللغويين والعلماء وفق أسس علمية رائدة.
وإذا كانت نظرية الحقول الدلالية أو المجالات قد قادت إلى التفكير في عمل معجم يضمّ كافة الحقول الموجودة في اللغة، وقدّمت المفردات داخل كل حقل على أساس تفريعي تسلسلي، فإنّها تبذل الآن محاولات كثيرة لتصنيف معاجم اللّغات ولهجات أروربية متعدّدة اعتماداً على نظرية الحقول الدلالية التي قدّمت خدمات جليلة في التطبيقات المعجمية، وأحدثت تحوّلا جريئاً في منهجية البحث العلمي بناءً ونقداً، وبخاصة في مسألة جمع الرصد المفرداتي تفادياً للثّغرات، وترتيب المواد تيسيراً للبحث، وفي تعريف المدخل الذي
كثيراً ما كانت تستعصي على المعجميين دقته، وتميّز مفردته عن بقية مفردات الحقل.
ولكن الدّارسين العرب لا يزالون يعيشون على ما خلّفه أصحاب المعاجم القدماء، ومؤسسو نظرية الحقول الدلالية، إذ لم يفكّروا إلى اليوم في صناعة معجم ترصد فيه المفردات والدلالات بمنهجية محكمة تتجاوز أعمال ابن سيده (ت458هـ) في "المحكم والمحيط الأعظم في اللغة" في الأندلس، ولسان العرب لابن منظور (ت 711هـ) في المشرق لتلائم التطوّر الاصطلاحي والمفرداتي للّغة العربية في العصر الحديث.
ويعود ذلك إلى أنّهم لم يضعوا المعجم في مستوى الصناعة، ذلك العمل الذي يشعر القائم به رغبة في إجادته وإتقانه، فيتصوّره ويصمّمه ثمّ يوفيه حقّه من الإعداد والدراسة، ويعرف الغاية منه فيسلك إليها أوضح نهج وأقوم سبيل، ثم يقرن بالفنّ المتطوّر مع الزمن، المصقول بالمران، المهذّب بالارتقاء، حقيقة واقعة في أجمل صورها وأسمى معانيها، فحينئذ يكون هذا العمل الجيّد "صناعة"، كما يدلّ عليها جوهر اللفظ في متن العربية.
وكفى الصناعة بهذا المعنى ورودها في قوله تعالى: "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب، صنعَ الله الذي أتقن كلّ شيء، إنّه خبير بما تفعلون"، وقولـه: "واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون".
وإذا كان الغربيون قد طوّروا نظرية الحقول الدلالية من المحاولات التي كانت تقتصر على قطاع بعينه من المعجم، فأصبحت منهجاً مهمّاً في الدراسات الإنسانية المتعدّدة، فلا شكّ في أنّهم عرفوا معاجم الموضوعات قبل أن ينعتوا ما أبدعوه بالنظرية أو هي سابقة فكرة تطبيق المجال الدلالي التي غطت قطاعات المعجم.
ويعدّ معجم روجيه (ROGET) من أشهر المعاجم الأوروبية المبكرة التي صنفت على أساس الموضوعات أو المفاهيم الذي تأثر فيه صاحبه بمقولة شاعت في القرن السابع عشر تمثلت في إمكانية تركيب لغة مثالية لتنظيم المعارف العلمية وتطويرها.
وهو المعجم الذي قدّمه لكلمات اللغة الإنجليزية وعباراتها، وأشار في مقدّمته أنّه لم يرتبه بحسب النطق، وإنّما بحسب المعاني، ووزّع المفردات على ستة مجالات دلالية رئيسية، كلّ منها يعتبر مفهوماً عاماً وهي:
1- العلاقات المجرّدة
2- المكان
3- المادّة
4- الفكر
5- الإرادة
6- العواطف
واشتملت هذه الأقسام الأساسية على تسعة وتسعين (99) حقلاً دلالياً فرعيا.
وتأثّر روجيه ببحث شهير سبق عمله بمائتي سنة تقريباً، فكان مصدره الأساسي الذي ألهمه المنهج بصفة خاصة، وكتب البحث جون ولكينز (JOHN WILKINS) عام 1668م، يضمّ أربعمائة وأربعا وخمسين (454) صفحة بعنوان: (ESSAY TAWARDS A REAL CHARACTER AND A PHIL OSOPHAL LANGUAGE) (مقالات في الطبائع والفلسفة اللغوية).
وقسّم روجيه المعارف البشرية في معجمه إلى:
1- العلاقات التجريدية
2- الأفعال
3- العمليات والتصورات المنطقية
4- الأجناس الطبيعية وأنواع الأشياء الحيّة وغير الحيّة
5- العلاقات الصرفية المادية بين أفراد الكائن الحيّ في الأسرة والمجتمع.
إنّ مثل هذه المعاجم سعت إلى اقتراح يهدف إلى بناء تفكير البشر بالكلمات بوضوح ودقّة.


المبحث الثالث  : المعجمية العربية والمعجم التاريخي


على الرغم من أن صناعة المعجم العربي هي أقدم الصناعات المعجمية في اللغات الحية وأغزرها كماً وأغناها نوعاً، فإن اللغة العربية لا تتوفر على معجم تاريخي حتى الآن. ويتضح لنا قِدَم المعجم العربي إذا ما علمنا أن أول معجم عربي متكامل، وهو معجم العين للخليل بن أحمد، وقد صُنِّف في القرن الثامن الميلادي، في حين أن اللغات العالمية الحية الأخرى لم تحظَ بمعجم قبل القرن السابع عشر، أي بعد حوالي تسعة قرون من صدور المعجم العربي الأول. فمعجم أكاديمية كروسكا (الإيطالية) صدر عام 1612، ونُشر معجم الأكاديمية الفرنسية بين عامي 1638 و 1694، وألَّف الدكتور جونسون معجمه الإنكليزي عام 1755، أما معجم وبستر الأمريكي فلم يصدر إلا عام 1828. ومن حيث غنى المعجم العربي كماً وكيفاً، يدلنا كتاب " معجم المعاجم " للمرحوم أحمد الشرقاوي إقبال على وجود اكثر من ألف وخمسمائة معجم في اللغة العربية من مختلف الأصناف وفي متنوع حقول المعرفة. ومع ذلك كله، فإنه لا يوجد معجم تاريخي للغة العربية، أسوة باللغات العالمية الأخرى كالإنجليزية والفرنسية.[3]
ما هو المعجم التاريخي؟
المعجم العام أو العادي هو كتاب يحتوي على كلمات منتقاة من اللغة، تُرتَّب عادة ترتيباً هجائيا، مع معلومات دلالية ونحوية عنها. أما المعجم التاريخي فيزيد على ذلك بأن يؤرخ لظهور كل كلمة في اللغة ويتتبع ما طرأ على دلالاتها من تطور وعلى تلفُّظها من تغير، كما يبين أصل الكلمة وما إذا كانت قد اقتُرضت من لغة أخرى مباشرة أو عبر لغات وسيطة. ويستند المعجم في تقديم تلك المعلومات إلى النصوص المتوفرة سواء أكانت تلك النصوص مطبوعة أو مخطوطة أو منقوشة على أوراق البردي أو على النقود أو غيرها. فالمعجم التاريخي يرتب معاني الكلمة ترتيباً تاريخياً، فيورد المعنى الأقدم أولاً ويضع بعده سنة ظهوره مع شاهد أو اقتباس من النصوص المدوَّنة، ثم يأتي بالمعنى الثاني الذي استُعملت فيه تلك الكلمة وسنة ظهوره وجملة مقتبسة وردت فيها تلك الكلمة بذلك المعنى وهكذا.
لماذا لا يوجد معجم تاريخي عربي؟
ظهرت المعاجم التاريخية في أوربا نتيجة لازدهار اللسانيات الحديثة في النصف الثاني من القرن الميلادي، بحيث أُرسيت دراسة اللغة ووصفها على أسس علمية. ومن أبرز فروع اللسانيات في ذلك القرن علم اللغة التاريخي وعلم اللغة المقارن اللذان عُنيا بوضع قوانين تغير الأصوات اللغوية، وكذلك علم التأثيل (الإيتمولوجي) الذي يُعنى بدراسة أصل الكلمات واشتقاقها وتطور دلالاتها.
ولم يكن بالإمكان تصنيف معجم تاريخي للغة العربية آنذاك، لأن النهضة العربية كانت في بدايتها إبان القرن التاسع عشر الميلادي، ولم تكن الدراسات اللسانية العلمية قد تطورت بما يكفي لإعداد معجم تاريخي لغوي؛ بل إن المعاجم العربية التي أُنجزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، كانت، في حقيقتها، مجرد نقل من المعاجم القديمة السابقة مع تهذيب وتنقيح وإعادة ترتيب للمواد. أضف إلى أن تصنيف معجم تاريخي عربي يتطلب حشدَ عددٍ من المتخصصين باللغات العربية القديمة كالسومرية والبابلية والآشورية والآرامية والمصرية القديمة وكذلك باللغات التي تفاعلت معها العربية واقترضت منها كاليونانية والفارسية والتركية. وهذا يعني أن تقوم بتأليف المعجم التاريخي العربي مؤسسةٌ متكاملة تنكبُّ على هذا العمل وحده، ولا يكفي جهود لغوي أو معجمي واحد بمفرده. فمعجم أكسفورد للغة الإنجليزية ترعاه مؤسسة مستقلة لا همّ لها إلا تطوير المعجم وإخراج طبعة جديدة منه كل 25 سنة تقريباً لمواكبة التطور الدلالي للألفاظ الإنجليزية.
ينبغي الإشارة هنا إلى محاولة جادة لتأليف معجم عربي تاريخي قام بها معهد أبحاث الاستشراق الألماني الذي كان يديره المستشرق أوغست فيشر (1865 ـ 1949)، بدعم من مؤتمر المستشرقين والمجمع السكسوني. ولكن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) أدت إلى توقف المشروع، ثم استُأنف العمل عام 1923. وحين أُنشئ مجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1932، قرر تبني مشروع فيشر وإمداده بالدعم اللازم والمساعدين المتخصصين، فانتقل فيشر إلى القاهرة، ولكن الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) اضطرته للعودة إلى ألمانيا حيث أقعده المرض وعاجلته المنية. وضاعت المواد التي أعدّها فيشر، ما عدا المقدمة وجذاذات من حرف الألف.
وعندما تأسست جمعية المعجمية العربية بتونس في أواسط الثمانينات، اهتمت بموضوع المعجم التاريخي فخصته بندوتها العلمية الدولية الثانية عام 1989، وأُنشئ عام 1990 مشروع (المعجم العربي التاريخي) بتمويل من الحكومة التونسية، ولكن هذا المشروع قد توقف، ثم أعيد العمل فيه عام 1996. ولعل سبب تعثره يعود إلى عدم تفرّغ القائمين على المشروع. ولهذا فإن اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية قرر إنشاء مؤسسة مستقلة تتفرغ لتأليف المعجم التاريخي للغة العربية.
أهمية المعجم التاريخي
سيشكّل المعجم التاريخي للغة العربية قفزة نوعية في صناعة المعجم العربي، ويعمل على تبيان وحدة الاستعمالات اللغوية في مختلف الأقطار العربية، وبذلك يؤكد الروابط اللغوية بين هذه الأمصار ويعزز انتماءها إلى الأمة العربية، باعتبار أن اللغة هي من أهم الأواصر التي تربط الشعوب بعضها ببعض. وسيساعد هذا المعجم التاريخي على دراسة اللغة العربية دراسة علمية ووصفها وصفاً لسانيا دقيقاً، لأنه سيؤرخ للتغيرات التي لحقت بأصوات اللغة وأبنيتها الصرفية وتراكيبها النحوية بالإضافة إلى التطور الدلالي الذي أصابها. كما سيكون هذا المعجم مصدراًً لتصنيف الأنواع الأخرى من المعاجم وإمدادها بالشواهد اللازمة، وسنداً لمراجعة المعاجم الموجودة حالياً. وأخيراً وليس آخراً ، فإن المعجم التاريخي سيزود طلبة الدراسات اللسانية العليا بمرجع هام لإعداد رسائلهم وأطروحاتهم.
منهجية تأليف المعجم التاريخي
كان إعداد المعاجم التاريخية يعتمد على جمع الشواهد السياقية الكثيرة جمعاً يدوياً من مختلف عصور اللغة. وكان هذا العمل يتطلب حشداً من المحررين والمراسلين المتبرعين ويستغرق سنوات طويلة. أما اليوم فقد أصبحت العملية أيسر بفضل الحاسوب وقواعد المعلومات وبنوك الكلمات. إذ يمكن إنشاء مدونة لغوية تتألف من نصوص كثيرة تضم ملايين الجمل التي تنتمي إلى فترات اللغة المتباينة، والأقطار المختلفة، والمجالات المعرفية المتنوعة. ثم يجري البحث عن الألفاظ لفظاً لفظا، فيزودنا الحاسوب بآلاف العبارات والجمل التي يرد فيها اللفظ المطلوب مرتبة ترتيباً تاريخياً ، مع تاريخ كل جملة والمكان الذي كُتبت فيه والمجال المعرفي الذي تنتمي إليه،. فيتولى اللغويون والمعجميون استخلاص دلالات اللفظ المختلفة من السياقات التي وردت فيها. ويُعزز كل ذلك بدراسات تأثيلية عن أصل اللفظ وتحديد اللغة التي اقتُرض منها.
وعلى الرغم من توفر قواعد البيانات والبرامج المتطورة بفضل الهندسة اللغوية المعاصرة، فإن تأليف معجم تاريخي يتطلب عشرات السنين. وأذكر أنني دُعيتُ قبل بضع سنين للمشاركة في الاحتفال الذي أقيم في سيرلانكا بمناسبة إنجاز معجم اللغة السنهالية، وكان العمل المتواصل قد بدأ في تأليف هذا المعجم قبل مائة عام بالكمال والتمام.













المبحث الرابع : المدارس المعجمية واللغوية العربية


تعددت المعاجم العربية وتنوعت خلال العصور السالفة ولكن القصد منها في كل الأحوال كان واحدا وهو حراسة القرآن من أن يقتحمه خطأ في النطق أو الفهم، وحراسة العربية من أن يقتحم حرمها دخيل لا ترضى عنه العربية، وصيانة هذه الثروة من الضياع.
مرت المعاجم العربية بأطوار مختلفة وتعددت مدارسها المعجمية واللغوية، وهذه المدارس على سبيل الإيجاز هي:
مدرسة الخليل
مدرسة الخليل أول مدرسة عرفتها العربية في تاريخ المعجم العربي، والخليل إمام هذه المدرسة وإمام المعجميين عامة، فهو أول من شق أمامهم طريق التأليف المعجمي ودلهم عليه.
وقوام مدرسته ترتيب المواد على الحروف حسب مخارجها وتقسيم المعجم إلى كتب، وتفريع الكتب إلى أبواب بحسب الأبنية، وحشد الكلمات في الأبواب، وقَلْبُ الكلمة إلى مختلف الصيغ التي تأتي منها، مثل قوله في باب السين والميم مع الواو والألف والياء: سوم، وسم، سمو، مسو، موس.
وقد سار بعض رواد التأليف المعجمي على نهج الخليل، فالتزمه الأزهري في "التهذيب" وابن عباد في "المحيط"، والقالي في "البارع".
ولم يكن هؤلاء الرواد مقلِّدين، ولم يتبعوا الخليل في كل دقيقة من دقائق منهجه، بل خالفوه في بعض منهجه، وأضافوا إلى طريقة الخليل أشياء جديدة، وهذا الجديد الذي أضافوه أو المقصد الذي أرادوه، نتيجة تطور التأليف المعجمي الملحوظ.[4]
ومن أوجه الخلاف بين رائد هذه المدرسة وأتباعها أن الخليل جعل كل كتاب في معجمه قائمًا على حرف من حروف الهجاء، ومقسومًا إلى أربعة أبواب: الثنائي المضاعف، والثلاثي الصحيح، واللفيف، وجعل الباب الرابع للرباعي والخماسي. وكذلك صنع القالي، إلا أنه أفرد لكل من الرباعي والخماسي بابًا، وعزل ما كان ثلاثيا معتلا بحرف عن اللفيف، وسماه الثلاثي المعتل. والأزهري خالف الخليل في المهموز وأحرف العلة، حيث أراد الأزهري إفراد المهموز دون تفرقة، وعزله عن المعتل، ولكنه لم يوفق كل التوفيق.
مدرسة أبي عبيد :
وهي التي تنتسب إلى أحد أئمة اللغة والأدب أبي عُبيد القاسم بن سلام، وقواعدها بناء المعجم على المعاني والموضوعات، وذلك بعقد أبواب وفصول للمسميات التي تتشابه في المعنى أو تتقارب، وكانت طريقة أبي عبيد من أولى المراحل التي بدأ فيها التأليف اللغوي، ولكن بدأ كتبًا صغيرة، كل كتاب يؤلّف في موضوع، مثل كتاب الخيل، وكتاب اللبن، وكتاب العسل، وكتاب الحشرات.
وفَضْلُ أبي عبيد أنه جمع أشتات هذه الموضوعات والمعاني في كتاب كبير، يضم أكثر من ثلاثين كتابا مثل: خلق الإنسان، والنساء، واللباس، والطعام والشراب، ... ومجموع ما تضم هذه الكتب الثلاثون سبعة عشر ألف حرف وأكثر.
وقد جمع أبو عبيدة أشتات الكتب الصغيرة المؤلفة بحسب المعاني والموضوعات، وجمعها في غريبه، وقسمها أبوابا سماها كتبا، ثم أفرد كل كتاب بموضوع حشد فيه من الكلمات ما يتفق مع العنوان، فمثلا حشد في كتاب النساء كل الكلمات الخاصة بهذا الجنس.
واتبع أبا عبيدة في تأليفه من القدماء أبو الحسن الهنائي الأزدي - المعروف بكراع النمل - في كتابه "المنجد فيما اتفق لفظه واختلف معناه". واتبعه ابن سيده في "المخصص" وتوسع فيه كثيرا، ومن المعاصرين مؤلفا كتاب "الإفصاح".
مدرسة الجوهري
هذه المدرسة تنتسب إلى الإمام المجدد الجوهري الذي ابتكر في التأليف المعجمي منهجا قرّب اللغة إلى الباحثين. ومئات المعاجم والكتب اللغوية مرتبة ترتيب الجوهري مما يدل على عِظم مدرسته. ونظام هذه المدرسة ترتيب المواد على حروف المعجم باعتبار آخر الكلمة بدلا من أولها، ثم النظر إلى ترتيب حروف الهجاء عند ترتيب الفصول، والأول سماه بابا، والثاني فصلا، فكلمة "بسط" يُبحث عنها في باب الطاء لأنها آخر حرف فيها، وتقع في فصل الباء لأنها مبدوءة بها. ولم يقف إمام هذه المدرسة عند الحرف الأخير بل نظر إلى الحرف الأول، ثم تجاوز ذلك إلى الحرف الثاني في الثلاثي، والحرف الثالث في الرباعي، والحرف الرابع في الخماسي، حتى يكون الترتيب دقيقا. ومن أشهر أتباع هذه المدرسة الإمام الصغاني في معجماته المعلمات المشهورات: "التكملة والذيل والصلة" و"مجمع البحرين" و "العباب"، والفيروزأبادي في "القاموس" وابن منظور في "اللسان". ومع أن الفيروزأبادي أراد من تأليف القاموس منافسة الجوهري وإظهار عجزه وقلة بضاعته فإنه لم يستطع أن يبتكر سبيلا جديدة، بل اتبع الجوهري في النظام والترتيب والمنهج.
ومن المعاجم المعاصرة التي سارت على نهج الترتيب الألفبائي  "المعجم الوسيط" الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ويتلخص المنهج الذي نهجه مجمع اللغة العربية في ترتيب مواد المعجم فيما يلي:
-         تقديم الأفعال على الأسماء.
-          تقديم المجرد على المزيد من الأفعال.
-          تقديم المعنى الحسيّ على المعنى العقلي، والحقيقي على المجازي.
-          تقديم الفعل اللازم على الفعل المتعدِّي.


المبحث الخامس  : جهود المحدثين في صناعة المعاجم


1- د. أحمد مختار عمر
تشرب أحمد مختار عمر حب اللغة مبكرا في بيت والده الأستاذ عبد الحميد عمر الذي كان من رجال التربية والتعليم، ثم التحق بعد ذلك بمحكمة النقض؛ فكان يعرف بسيبويه محكمة النقض بعد إنشائها، وتولّي عبد العزيز باشا فهمي رئاستها، الذي ينتسب معه لعائلة واحدة هي عائلة "عمر" بكفر المصيلحة بمحافظة المنوفية، وهي عائلة بزغ منها عدد من أبرز رموز السياسة في مصر قبل وبعد ثورة يوليو.
لم يكن أحمد مختار عمر -كما يذكر الأستاذ فاروق شوشة- مجرد أستاذ لعلم اللغة، ولكنه كان حركة علمية دائبة، تنشر وهجها في كل موقع يشغله؛ فقد كان رحمه الله مقرر لجنة المعجم العربي الحديث بالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، وهو المستشار لكثير من الهيئات والمؤسسات المصرية والعربية؛ من بينها: لجنة مدخل قاموس القرآن الكريم بمؤسسة الكويت للتقدم العلمي، ولجنة المعجم العربي الأساسي بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، والهيئة الاستشارية لمعهد المخطوطات العربية وغيرها. وقد عشق أحمد مختار عمر العربية، وعرف أسرارها منذ زمن مبكر، وتشهد بذلك تعليقاته اللغوية والثقافية وهو لا يزال غضا في مجلات الرسالة للزيات، والثقافة لأحمد أمين، والرسالة الجديدة ليوسف السباعي وغيرها؛ فكان -رحمه الله- أقرب  لمفكر ومحارب متزن على ثغر اللغة والثقافة، يقدر الجدية والمثابرة التي عرفتها جهود علماء التراث، ويتابع الحديث والمعاصر دون انغلاق أو ذوبان؛ فترك لنا تراثا كبيرا يضم ما ينيف عن ثلاثين كتابا، تتنوع ما بين التحقيق والتأليف والترجمة، كما تحسب وتعرف له ريادته في تحقيق ديوان الأدب للفارابي والمنجد في اللغة.
2- الشيخ أحمد رضا
استقبلت بلدة النبطية بجبل عامل مولودها النابه أحمد رضا العاملي في (26 من ربيع الأول 1865هـ= 4 من يونيو 1472م) واحتضنته أسرة من كرائم أسر النبطية؛ فأبوه كان معروفا بالصدق والأمانة وصلاح الرأي، وأمه كانت معروفة بالصلاح والإحسان، فتعهدا ابنهما بالتربية والتعليم، وألحقاه بكتاب البلدة حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، غير أن نجابة الطفل الصغير ونباهته شجّعتا والده على إرساله في سنة (1298هـ 1880م) إلى إحدى القرى المجاورة لاستكمال تعليمه مع قلة من أبناء بلدته، حيث تلقى النحو والصرف على يد أحد علمائها، ثم عاد إلى النبطية حيث افتتحت مدرسة جديدة فالتحق بها وتعلم مبادئ الحساب والجغرافيا.[5]
عرف الشيخ أحمد رضا بتمكنه في اللغة ومعرفته بأسرارها، وقدرته على البحث والدرس، فاختاره المجمع العلمي العربي بدمشق عضوًا به في سنة (1339هـ = 1920م)، وبعد عشر سنوات من اختياره، كلّفه المجمع العلمي بوضع معجم يجمع متن اللغة باختصار، ويضم إليه ما استحدثه مجمعا: مصر ودمشق من الألفاظ والمصطلحات الجديدة.
وجاء اختيار المجمع موفقا؛ فالشيخ بارع في اللغة، بصير بدقائقها، خبير بأسرارها، مع صبر في البحث والتنقيب، ودقة في الجمع والتمحيص، وأنفق العاملي ثماني عشرة سنة قضاها الشيخ الجليل بين بطون الكتب وأمهات المعاجم، ومطولات اللغة حتى خرج بكتابه "متن اللغة"، محققًا أمنية المجمع، غير أن القدر لم يمهله حتى يرى معجمه الذي انتهى منه في عام (1368هـ = 1948م) مطبوعا؛ إذ لم ينشر إلا بعد وفاته في خمسة مجلدات كبيرة.
وقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة عن نشأة اللغات عامة، واختص منها العربية، فتناول نشأتها وتطورها، ثم رتب مادة معجمه على أصل المادة المجرّدة كما هو الحال في سائر المعاجم القديمة والحديثة، والتزم الترتيب الألفبائي، وحرص المؤلف على اختيار أفضل ما اتفق عليه علماء اللغة قبله من شروح عند تفسير الألفاظ، وتمسك بما وضعه مجمعا اللغة العربية في دمشق والقاهرة من ألفاظ ومسميات لأشياء حديثة.
وبعد أن أتمّ هذا العمل الشاق قام بوضع مختصرين له، هما: المعجم الوسيط، والمعجم الوجيز للمبتدئين من الطلاب، غير أن هذين العملين لا يزالان مخطوطَين، ولم يريا النور بعدُ.
حرص أحمد رضا العاملي على تقريب العامية من الفصحى، بردّ كثير من الألفاظ التي تستعملها العامة وتأنف الخاصة منها إلى أصلها الفصيح، وكانت المهمة شاقة، تهيّب منها الشيخ في بادئ الأمر، لكن الحاجة دعت إليها، فوضع معجمًا لما يزيد عن 1600 كلمة يتحدثها عامة الناس في الشام، ورتبها ألفبائيا، وأرجعها إلى أصل عربي فصيح، وقرن أكثرها بأشعار عربية أو استشهادات لغوية موثَّقة، وقد طُبع هذا الكتاب "رد العامي إلى الفصيح" سنة (1871هـ = 1952م).
ثم استكمل جهده الرائع بوضع أسماء جديدة لمعان مستحدثة، وفق شروط وضوابط لغوية، وذلك في كتابه "التذكرة في الأسماء المنتخبة للمعاني المستحدثة"، غير أن هذا الكتاب لا يزال مخطوطا لم تمتد إليه يد الطباعة والنشر.







الخاتمة :

لعل العصر الذي نعيشه حيث تقنيات البحث وتكنولوجيا المعلومات كانت هنا نعم العون وخير السبل للوصول إلى هذا العمل المتواضع ، فبحثي هذا كان أوله تفقد لما كتب من قبل ،  وأخره علم بما لم أكن اعلمه  ، وما أصعب أن تبحث عن كلمة كماً ومعناً ، ولكن بفضل تكنولوجيا المعلومات والحاسبات أصبح مثل هذا العمل أيسر كثير ، فحمدا لله وشكرا .
الشكر كل الشكر لله تعالي ، ولكل من ساهم معي في تناول هذا العمل ، ومن أمدني بالوسيلة ويسر لي عملية البحث على شبكة الإنترنت ومن خلال البرامج الإسلامية الموثوق فيها .
كل الشكر للسيد الدكتور المشرف على ما يبذل من جهد خالص في سبيل الله علما وقدوة، وفقه الله ووفقنا جميعا لنكون يدا تبني وتصلح ، والحمد لله رب العالمين .



  


المراجع :



1.      علم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي - منقور عبد الجليل - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق -
2.      أصول تراثية في نظرية الحقول الدلالية - الدكتور أحمد عزوز - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002
3.      المعجم التاريخي للغة العربية ، دكتور/ علي القاسمي ، جمعية المترجمين العرب ، على الرابط :  http://www.arabicwata.org
4.      هاني نسيرة ، "أحمد مختار عمر.. عاشق العربية وخادم القرآن" ، مقال منشور ،  اسلام اون لاين ،  05/01/2005
5.      أحمد تمام ، "أحمد رضا العاملي.. أحد بناة المعاجم العربية" ، مقال منشور ، اسلام اون لاين .
6.      أغا بزرك الطهراني – طبقات أعيان الشيعة – النجف - 1373هـ = 1954م.
7.      خير الدين الزركلي- الأعلام – دار العلم للملايين – بيروت – 1986م.
8.      فايز ترحيني – الشيخ أحمد رضا والفكر العاملي – دار الآفاق الجديدة – بيروت – 1403هـ = 1983م.
9.      يوسف سعد داغر – مصادر الدراسة الأدبية – بيروت – 1950- 1956م.








[1] - علم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي - منقور عبد الجليل - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق -
[2] - أصول تراثية في نظرية الحقول الدلالية - الدكتور أحمد عزوز - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2002
[3] - المعجم التاريخي للغة العربية ، دكتور/ علي القاسمي ، جمعية المترجمين العرب ، على الرابط :  http://www.arabicwata.org
[4] - مقدمة الصِّحاح
[5] - أحمد تمام ، "أحمد رضا العاملي.. أحد بناة المعاجم العربية" ، مقال منشور ، اسلام اون لاين .

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مرات مشاهدة الصفحة

جميع الحقوق محفوظة

النجباء

2016