-->
النجباء النجباء
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

إعجاز القرآن الكريم




***********************************************************
إعجاز القرآن الكريم
***********************************************************






المقدمة

     مما لا شكّ فيه أنّه ما من كتاب ظهر على وجه الأرض قد حظي باهتمام كبير ، ونال مكانة في نفوس الخليقة مثل ما حظي به القرآن العظيم . حيث ترك أثره في تصوّرات الإنسان وفكره ومعتقده ، ولم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا وتناوله بالبيان الواضح الذي لا غموض فيه .
     ولذلك أقبل العلماء على هذا الكتاب الكريم في القديم والحديث ، وألّفوا حوله الآلاف المؤلّفة من الكتب والدراسات ، وصنّفوا ما لا يُحصى من علومه ، وبسطوها بسطاً وفيراً ، ليس من غرضنا أن نعرض له هنا . على أنّه من العلوم التي حازت نصيباً كبيراً من تراث علمائنا الفكري ، والذي حشد له علماؤنا جهوداً جبّارة ، وقدّموا عليه أدلّة عظيمة ، كان العلم في إعجاز القرآن .

الموضوع
مفهوم الإعجاز :
مع أنّ كلمة "إعجاز" لم ترد في القرآن الكريم ، ولم يحدّثنا التاريخ عن مصنّفات لهذا العلم في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، إلا أنّ التأليف فيه قد برز بكثرة في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة النبوية المباركة  .[1] وذلك أنّه بتوالي الأزمان ، وازدياد اختلاط العرب بثقافات الأعاجم ، فقد ظهر مِن الملحدين مَن أثاروا شكوكاً حول القرآن ، وسدّدوا نحوه بعض المطاعن ، ولَغَوْا فيه ، ثم قَضَوْا عليه بالاختلاف ، والاستحالة في اللحن ، وفساد في النظم.
     فتصدّى علماء المسلمين لتلك التيارات الفكرية المغرضة ، وقدّموا الأدلّة الراسخة والبراهين الدامغة على أنّ القرآن "معجز" . هو كذلك لأنّه أوقع بالمنكرين العجز والضعف والقصور ، فلم يستطيعوا معارضته أو الإتيان بمثله ، ولا حتى الإتيان بسورة واحدة من مثله . فدلّ ذلك على أنّه كلام الله تعالى الذي أوحاه إلى قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم .
     وجملة الأمر أنّ المعجزة مأخوذة من العجز . وهو في اللغة : التأخّر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر ، أي مؤخّرته [2] ، وصارت اسماً للقصور عن فعل الشيء ، وهو ضدّ الحزم والقدرة[3]  . وقد وضع العلماء لها شروطاً ، ومنها : أن تكون أمراً خارقاً للعادة مقروناً بالتحدّي وسالماً عن المعارضة[4]  . فهي إذن كلّ أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدّعي النبوّة عند تحدّي المنكرين ، على وجه يعجزهم عن الإتيان بمثله [5] .
معجزة القرآن الكريم :
من المعلوم في التشريع أنّ كلّ رسول كان يحمل بين يديه آية معجزة إلى قومه ، يلقاهم بها متحدّياً ، لتكون هي دليله القطعيّ على أنّه مبعوث من الله سبحانه وتعالى . فالمعجزة هي البرهان الذي يؤيّد الله بها رسوله المبعوث لإثبات مصداقيّة المنهج الذي يحمله . وهي تكون إمّا حسيّة وإمّا عقلية[6]  .
     فالمعجزات الحسيّة هي كلّ ما أوتيه الأنبياء من آيات قبل نزول القرآن كناقة صالح ، وعصا موسى ، وإحياء الموتى بإذن الله على يدي عيسى عليهم الصلاة والسلام . وسُميّت هذه المعجزات بالحسّية لأنّها انقرضت بانقراض الأجيال المعاصرة لهؤلاء الأنبياء ، فلم يشاهدها بالأبصار إلا مَن حضرها . وأمّا المعجزة العقلية فهي متمثّلة بالقرآن الكريم لأنّها مستمرّة إلى قيام الساعة ، فلا يمرّ عصر من العصور إلا ويظهر فيه شيء يدلّ على صحّة دعواه ، فيبقى معجزة مشاهَدة بعين العقل لكلّ عصر ولكلّ جيل .
     وقد يقول قائل : إذا كان القرآن كتاباً سماوياً ، فما الوجه الذي يفرقه عن غيره من الكتب السماوية ؟ أو لماذا كان القرآن معجزاً دون سواه من هذه الكتب ؟ وإذا كان القرآن معجزاً ، فما السبيل إلى معرفة وجه إعجازه ؟ وما الحدّ الأدنى لمقدار الإعجاز فيه ؟
     فنقول : أما الجواب عن السؤال الأول ، فمن عدّة وجوه ، ويكمن أهمّها في الفرق بين المعجزة والرسالة . فقد بعث الله الرسل لهداية أجيال محدّدة ، في أزمان محدّدة ، وفي أماكن محدّدة ، وأيّدهم برسالات لتكون هي منهج الحياة والتشريع ، ثمّ أيّدهم في الوقت نفسه بالمعجزات لتكون دليلاً على صدق دعواتهم . فمعجزات موسى وعيسى عليهما السلام شيء ، ومنهجهما المتمثّل بالتوراة والإنجيل شيء آخر . أمّا خاتم الأنبياء والرسل نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد بعثه الله تعالى هدًى ورحمة للعالمين مؤيَّداً بالقرآن العظيم ، ليكون المنهج القويم والتشريع الخالد لأمم العالم أجمعين ، وليكون في الوقت نفسه المعجزة الخالدة إلى يوم الدين ، فهو إذن معجزة ومنهج في آن واحد .
     وأما الجواب عن السؤال الثاني ، فهو أنّ قضيّة الإعجاز قد فرضت نفسها من قديم على السلف من علماء المسلمين ، كما ذكرنا ، إلا أنّ أقوالهم تعدّدت في وجوهها . وأيّاً ما قالوا فيها ، فإنّ الأمر الذي لا ريب فيه هو أنّ إعجاز القرآن من جهة البلاغة والفصاحة لم يكن قطّ موضع جدل أو خلاف[7]، وإنّما كان الجدل بين أهل النظر في اعتبار القرآن معجزاً في غير ذلك من مختلف الوجوه[8].
     ففي حين أنّ طائفة من العلماء اقتصرت إعجاز القرآن على بلاغته وفصاحته ، رأت طائفة أخرى أنّ القرآن معجز أيضاً فيما تضمّنه عن الأخبار الماضية والمستقبلية . ورأت طائفة أخرى أنّه معجز فيما قرّره في تشريعه وتبيينه للحلال والحرام وسائر الأحكام . ورأى آخرون أنّ من إعجاز القرآن المناسبات العجيبة بين سوره وآياته من فواتح السور وخواتيمها . ورأى البعض أنّ القرآن معجز فيما تضمّنه من العلوم والحِكم البليغة على اختلافها .. حتى أنّ بعضهم ذكر أربعين وجهاً من أنواع الإعجاز في القرآن الكريم[9] .

منهج دراسة الآيات الكونية في القرآن الكريم
من المؤكد أن كافة المؤيدين يتفقون على ضرورة وجود المنهج والقواعد والضوابط التي بها يتعاملون مع آيات القرآن الكريم في دراسة الإشارات العلمية وفي التفسير العلمي، غير أنهم متفاوتون في الالتزام بشروط الدراسة ولكنهم جميعاً يحرصون على إجلال القرآن وتعظيمه واحترامه واحترام مقاصده ومعانيه [10].
المنهج والضوابط والقواعد
1) تفسير القرآن بالقرآن: من المعلوم لدى العلماء أن القرآن يفسر بعضه بعضاً، فما أجمل في موضع فصل في موضع آخر، وبالتالي يجب ألا تتعارض المعالجة العلمية لنص قرآني مع مضمون نص قرآني آخر، وبهذا تكون المطابقة بين الحقيقة الكونية وجملة ما يتصل بها أو بموضوعها من الآيات القرآنية، لا بينها وبين آية واحدة قد يخفى معناها على الناظر ولا يتبين إلا في ضوء آية أو آيات أخرى في نفس موضوعها
2) الرجوع إلى المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم:وذلك بالاستعانة بالأحاديث النبوية في تفسير الآيات الكونية، إذا وجدت، والأخذ بصحيح المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم  وفيه توسيع لمدلولات الآيات القرآنية
3) الاستئناس بالتفسير:على القائم بمعالجة الآيات القرآنية قبل أن يقدم عليها أن يرجع إلى كتب التفسير متجنباً الدخيل من الإسرائيليات والمدسوسات والخرافات التي قد توجد في بعض التفاسير وعند النظر في إشارة علمية قرآنية يجري تفسير وفهم النص القرآني بالرجوع إلى التفاسير واختيار أقرب الأقوال إلى الحقيقة العلمية موضوع المطابقة مع الإشارة العلمية فمثلاً إذا كان البحث يدور حول المياه الملتهبة بقاع المحيطات والتفسير يتناول النص القرآني:"والبحر المسجور" وهناك ما يفسر "المسجور" بمعنى ( الممتلئ ) وما يفسر الكلمة بمعنى الملتهب أو المحترق، فالأفضل الاعتماد على التفسير الذي يختار المعنى الثاني
4) الإلمام بعلوم القرآن المساعدة:عند التعامل مع الآيات القرآنية الكونية، سواء في مجال دراسة وجه الإعجاز العلمي، أم في مجال التفسير العلمي فلابد من الإلمام بالمعلومة الكونية المستخدمة في الدراسة، كما يجب الإلمام بالقدر المناسب من قواعد اللغة العربية التي تعينه على فهم النص القرآني فهماً صحيحاً وعميقاً، كما يجب الإلمام بالقدر الضروري من علوم القرآن الذي يحتاجها الباحث في دراسته. وذلك يتحقق على أحسن وجه بأن يعمل العلماء المتخصصون في العلوم الكونية والمتخصصون في علوم القرآن واللغة العربية كفريق عمل متعاون
5) الالتزام شروط التأويل: ذكرت الحقائق العلمية في مختلف فروع العلم في القرآن الكريم على وجه الحقيقة تارة وعلى وجه المجاز تارة أخرى، ولذلك يجب تفسير اللفظ في النص القرآني على ظاهره ما لم يكن في النص قرينة تدل على المجاز، أو كان المعنى يستعصي فهمه على ظاهر اللفظ ومخالفة هذه القاعدة يؤدي إلى الوقوع في كثير من الأخطاء في الفهم والتفسير
6) التثبت من حقائق المعطيات العلمية:يجب على القائم بالمعالجة العلمية للآيات الكونية في القرآن الكريم، ألا يأخذ في دراسته إلا بالحقائق العلمية الثابتة، ويبتعد عن النظريات وما دونها، كالفرضيات والاحتمالات والظنون والتخمينات وإذا كانت النظريات قد استقرت ولكنها لم تخضع للتجريب – وكثيراً ما يكون ذلك في علوم الفلك والجيولوجيا – فلا بأس من استخدامها مع التنبه إليها
7) مراعاة معاني الألفاظ وتعدد المدلولات:ينبغي أن تخضع المعالجة العلمية للآيات القرآنية للمعنى اللغوي السليم للألفاظ، مع التنبيه إلى تعدد المدلولات للفظ الواحد، ولهذا فإذا أخذ أحد الأسلاف من العلماء في تفسيره لكلمات القرآن الكريم بمعنى معين، فلا ضير على من يقوم بدراسة الإعجاز العلمي أن يأخذ بمعنى آخر لنفس اللفظ، مادام أنه وارد بالمعاجم، وذلك بقصد تعميق اللفظ أو للاقتراب من المفهوم العلمي للإشارة الكونية القرآنية كما يراعى أن تكون لغويات الآية محل الدراسة وفقاً لما جاء بالمعاجم بحسب المعاني الأصلية للكلمات، وليس وفقاً لما طرأ على معاني الألفاظ من تغيير عند الناس بمرور الزمن.. وبعبارة أخرى يجب أن يؤخذ معنى اللفظة القرآنية من معانيها الأصلية
8) مراعاة تعدد مواضع الإشارات العلمية:قد تحوي آية قرآنية واحدة حقائق كونية عديدة، وقد تأتي الحقيقة أو الظاهرة الكونية الواحدة في آيات قرآنية متفرقة، ولهذا يجب عند دراسة الإشارات القرآنية المتعلقة بتلك الظاهرة أو الحقيقة الكونية أن ينتبه الباحث إلى ذلك، وعليه أن يملك أحد مسلكين أو كلاهما ليخرج باستنتاجات شاملة ومتكاملة، وهما:
أ‌- تحليل الآية الجامعة إلى الحقائق ( أو الظواهر ) الكونية الموجودة بها، ثم تناول كل على حدة مع تقصي، وبحث مواضع ذكرها في آيات أخرى من القرآن ومناسبة إيراد كل منها في موضعه، مع الربط بين الكلام في الحقيقة أو (الظاهرة ) الكونية الواحدة وبين السياق العام للآية
ب‌- عرض كافة الآيات الواردة في حقيقة ( أو ظاهرة ) كونية واحدة وتدبرها، لإبراز أوجه الإعجاز الموجودة بها، ويعني هذا أنه من الضروري عدم الاقتصار في فهم الآية الكونية – في الموضوع الواحد – على آية واحدة قد يخفي معناها على الباحث، ولا يتبين إلا في ضوء بقية الآيات الأخرى الواردة بها الحقيقة ( أو الظاهرة ) الكونية ذاتها، وهي آيات متفرقة في سور القرآن
9) التوفيق بين القطعي والظني:هناك نصوص قرآنية قطعية الدلالة، وهناك حقائق علمية كونية قطعية، كما أن هناك نصوص قرآنية ظنية في دلالتها وكذلك ففي العلم نظريات ظنية في ثبوتها، ولا يمكن أن يقع صدام بين قطعي في كلا الجانبين، فإن وقع في الظاهر فلابد أن يكون هناك خلل في اعتبار قطعية أحدهما
أ‌- وإذا وقع توافق بين دلالة قطعية للنص القرآني وبين نظرية علمية، كان النص القرآني دليلاً على صحة تلك النظرية
ب-وإذا كان النص القرآني ظنياً والحقيقة العلمية قطعية يؤول النص بها
جـ- وإذا كان النص القرآني قطعياً واصطدم في ظاهره بحقيقة علمية، قلنا أن نؤول النص القرآني، ولنا أن نعتبر الحقيقة العلمية ناقصة الاكتشاف، أي عرف بعضها ويتبقى جزء منها غير معروف ومثال ذلك ( القلب )، فقد أمكن التعامل معه بشكل مادي واضح، والقرآن والسنة يتحدثان عنه بشكل معنوي، وهناك يكون الموقف كما قلنا فإما نؤول النص القرآني وتصبح كلمة ( قلب ) بمعنى ( عقل)، وإما أن نعتبر كل ما عرف من القلب حتى الآن يتناول فقط جانبه العضوي، ومازال جانبه المعنوي مجهولاً، بالرغم من الإحاطة العلمية الكاملة به واستقراره.. كحقيقة طبية ذات طبيعة مادية
وبعد.. فهذه جملة من الضوابط والقواعد التي يجب الالتزام بها عند المعالجة العلمية للآيات القرآنية، والبحث في الإعجاز العلمي وقد يفتح الله على متخصص في العلوم الكونية فتنكشف له حقيقة كونية من الإشارة العلمية القرآنية دون أن يتبع الضوابط والقواعد، فعليه حينئذ أن يقبلها ولا يرفضها ثم بعد ذلك يخضعها لمنهج البحث، حتى يتأكد من سلامة الاستنتاج ومطابقة الفهم للضوابط والقواعد.. وقد تأتي خاطرة علمية في ضوء آية قرآنية لقارئ للقرآن، فإذا جاءت فعليه أن لا يكتمها، بل عليه أن ينقلها إلى أهل الذكر من علماء الكونيات وعلماء الدين، فلعل فيما خطر له منها يفيد في مجال الإعجاز العلمي للقرآن الكريم
خصائص الأسلوب القرآني
أسلوب القرآن الكريم – وعباراته الدقيقة – بالغ الأهمية في إدراك مواطن الإعجاز العلمي والتعامل العلمي مع الإشارات الكونية بالقرآن الكريم ولا نتجاوز الحقيقة حين نقول:إن معرفة الإعجاز العلمي تقوم أساساً على الأسلوب القرآني، ونستطيع أن نقرر بأن الإعجاز العلمي يعرف من خلال الإعجاز البلاغي، ولهذا فمن الضروري أن نتعرف على بعض خصائص الأسلوب القرآني التي بها تتحقق معرفة الإعجاز العلمي
الخاصية الأولى: مراعاة العام والخاص:
القرآن الكريم إذ سمعه العامة فهموا منه على قدر استعدادهم – لغة وفكراً وثقافة – ونالوا منه ما يرضي عقولهم ويريح نفوسهم.. الخاصة – مثقفون ومتخصصون - إذا سمعوا نفس الآيات فهموا منه أكثر والمتخصصون في العلوم الكونية يدركون المعطيات العلمية الموجودة بآيات القرآن الكونية، فكلمة ( الأرض ) إذا سمعها العامة فهموا منها انبساط الأرض، والمتخصصون يفهموا منها كروية الأرض
الخاصية الثانية: السياق القرآني:
سياق الآيات والترابط الذي يوجد فيما بينها – أو الارتباط بما قبلها وبما بعدها – يكون مرشداً على مواطن الإعجاز العلمي وكذلك ترتيب مقاطع الآية وتسلسل موضوعها انظر مثلاً إلى قول الله تعالى في سورة المرسلات: ( وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماءً فراتاً ) [الآية] وتأمل الحكمة في ترتيب سقيا الناس الماء بعد الجبال الشوامخ وستصل إلى السر في الترتيب إذا علمت أن السحاب إذا لامس أعالي الجبال الشامخة ذات السطوح الباردة تكاثف بالتجمع وبالتبريد، وبهذا تكون الأنهار التي تمد الناس بالماء العذب أصلها من مياه البحار المالحة التي هي مصدر السحاب وجاءت كلمة ( فراتاً ) للتنبيه إلى نعمة الله سبحانه وتعالى، كما أنه بمفهوم المخالفة، أي ( الماء المالح ) تكمن الإشارة العلمية إلى مصدر السحاب، هو مياه البحار المالحة
وقد يكون السياق – أي الارتباط بين الآيات في الموضوع طويلاً وقد يكون قصيراً، حيث تنتقل الآيات سريعاً من موضوع إلى موضوع وعندما يحدث ذلك بين آيات أحداث الدنيا وآيات أحداث الآخرة، وتتداخل الآيات في بعضها البعض، يلزم اللجوء إلى القرائن التي تفرق بينهما
وأوضح مثال لذلك هو آيات سورة النمل ( 83- 88 )، فإنك تجد فيها ذلك التداخل، مما أوقع بعض المفسرين في سوء الفهم، وذلك بصرف آيات أحداث الدنيا إلى أحداث الآخرة، وحدث ذلك في ( الآية 88 ) وهي قول الله سبحانه وتعالى:(وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب صنع الله الذي أتقن كلّ شيء ) فقالوا بأن سير الجبال يحدث في الآخرة وصرفوا الآية إلى يوم القيامة ولكن بعضهم نظر إلى قوله تعالى في الآية:( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) فاعتبروا ذلك قرينة على أن الآية تكر أمور واقعة في الدنيا لأنها موصوفة بالاتفاق الذي يتناسب مع الخلق والوجود والإبداع وهذه القرينة لا تصلح لأحداث يوم القيامة التي تتصف بالتدمير والتخريب والفناء
الخاصية الثالثة: جمعه بين الإجمال والبيان:إذا قرأت النص القرآني تراه واضح المعاني، فإذا أمعنت النظر فيه لاحت منه معاني جديدة، ولهذا فإن الآيات القرآنية التي تتناول الكونيات نزلت محملة بفيض من الأسرار التي تنكشف تباعاً بحسب ما يظهر من نتائج، وبحسب ما ينتج عنها من اكتشافات ومثال ذلك قول الله تعالى:( ألم تجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً ) [سورة النبأ] فعند مطابقة المعنى الوارد في التفاسير تراه مقتضباً ولا يخرج عن المعنى اللغوي وعند قراءة العلماء المتخصصون لهاتين الآيتين وتدبرهم في الكلمتين:مهاداً وأوتاداً يستخرجون منهما فيضاً من المعارف الكونية، ويجدون فيهما الكثير من الحقائق العلمية
الخاصية الرابعة: دقة البيان القرآني في التعبير العلمي:عند قراءة النص القرآني عل الباحثين عن الإشارات العلمية أن ينتبهوا إلى دقة البيان القرآني وإلى اللطائف اللغوية ولو على مستوى الحرف انظر إلى قول الله سبحانه وتعالى:( وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء ) [سورة الحجر] فلقد ثبت علمياً أن الرياح تقوم بتلقيح السحاب بما يجعلها تمطر والمفتاح البياني لفهم هذه الحقيقة الكونية هو ( فاء السببية ) وهكذا يكون تلمس الإشارات العلمية في كل جزء من النص القرآني ولو على مستوى الحرف..
وانظر إلى قول الله تعالى:( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي ) [سورة الحجر] فلقد جاءت فيه كلمة ( في ) بدلاً من ( على )، وفي ذلك إشارة علمية إلى أن الجبال لم تطرح على سطح الأرض، طرحاً بل غرست في الأرض، وهذا ما يطابق ما عليه الجبال من تعمق في باطن الأرض وقد يكون جزء الجبل المنغرس في باطن الأرض مساوياً للجزء الظاهر على سطح الأرض أو أطول، وكانت (في ) المفتاح البياني للفهم العلمي لهذه الآية..
الخاصية الخامسة: التشبيه البليغ والنظرة التوافقية:جاء التشبيه البليغ في آيات القرآن الكونية ليقود العلماء إلى التلمس العلمي لهذه الآيات وإدراك ما بها من إشارات علمية، وذلك من خلال مطابقة المجهول بالمعلوم، كما في قوله تعالى:( والجبال أوتاداً) والأوتاد معلومة صفة وأداءً وعلى العلماء أن يدرسوا الجبال على ضوء ذلك التشبيه، وقد تحقق ذلك وتوصل العلماء إلى معلومات كثيرة في هذا الموضوع
ويلاحظ أن التشبيه القرآني من باب تشبيه الأعلى بالأدنى، وهو ما يعرف ( بقلب التشبيه ) فهو ليس من باب التهويل الذي يكون في لغة الناس، ولكنه من باب الدعوة إلى النظرة التوافقية والتوجيه إلى البحث في أوجه الشبه
دقة اختيار المصادر والاشتقاقات:لدقة اختيار المصادر بآيات القرآن الكريم فائدة في بحث ودراسة الآيات ذات الإشارات العلمية، انظر مثلاً إلى ( بناء، بنيان ) للفعل ( بنى ) ( وبناء )، فلم يرد بالآية كيفية تعلقها بالسماء، كما في قوله سبحانه وتعالى: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء ) [سورة غافر ] أما ( بنيان ) فلم يرد إلا متعلقاً بالأرض، كما في قوله سبحانه وتعالى: (فأتى الله بنيانهم من القواعد ) [ سورة النحل ] واختصاص السماء في كتاب الله بأحد الاسمين ( بناء )، واختصاص الأرض بالاسم الآخر ( بنيان ) – على تعدد المواطن في سور القرآن – أمر له دلالته، وهو إشارة علمية دقيقة إلى أن هناك فرق بين طبيعة بناية السماء وطبيعية البنيان في الأرض.
وبعد:فهذه بعض جوانب البيان القرآني التي تعين على معرفة الإعجاز العلمي والبحث عن الإشارات والحقائق العلمية الواردة بالقرآن الكريم.. ونحن نطالب علماء اللغة بالمزيد من الاهتمام في الكشف عنها ودراستها بالمفهوم العلمي، والاشتراك مع المتخصصين في العلوم الكونية في البحث عما بها من إشارات علمية، ليتولوا جميعاً بيان الإعجاز العلمي والتفسير العلمي للقرآن الكريم
شواهد الإعجاز العلمي
لو أن ما جاء بالقرآن الكريم من المعارف الكونية بالقدر اليسير، لقال قائل بأنها جاءت من قبيل الخواطر، ولو أنها في موضوع واحد، لقال إنها من قبيل المصادفة الفكرية، ولو كانت قاصرة على المألوف من المعارف الشائعة في وقت نزول القرآن، لقيل إنها من قبيل ما يعرفه عامة البشر..
ولكن تلك المعارف الكونية جاءت بالوفرة والتنوع والسبق ودقة البيان بحيث تشكل موسوعة تتناول حقائق علمية وإشارات كونية في كافة العلوم على أحدث ما عرفه علماء الكونيات بعد قرون، ومازالوا يكتشفونه، وفي ذلك تأكيد وبرهان على وجود الإعجاز العلمي للقرآن
في علم طبقات الأرض
1) قول الله سبحانه وتعالى: ( والجبال أوتاداً ) [سورة النبأ] جاءت الآية في معرض من الله على عباده وبيان مظاهر قدرته وحكمته فيما أودعه من المنافع في هذه الجبال
• فالجبال – من حيث الوصف – مطابقة للأوتاد في أمور كثيرة، منها:يوجد جزء ظاهر فوق الأرض وجزء يغوص في باطن الأرض، وهما معاً يأخذان وضعاً مائلاً ويختلف الرسوخ في الأرض بحسب الصلابة والشكل وطبيعة الأرض ولابد من التشكيل بصورة معينة والدق على الأرض بقوة، كل ذلك كان معروفاً عن الأوتاد ولكنه كان مجهولاً عن الجبال واحتاج تفسيره إلى إجراء دراسات لم يقم بها العلماء ليكتشفوا أسرار الجبال إلا في عصور متأخرة
• أما عن وظائف الأوتاد فهي تثبت الخيام، فما هي وظيفة الجبال المجهولة التي تشابه وظيفة الأوتاد المعلومة، والتي لم يكتشفها علماء طبقات الأرض إلا منذ عهد قريب ؟ إن وظيفة الجبال هي التثبيت أيضاً.. إنها تثبت القشرة الأرضية التي تطفوا على باطن الأرض المنصهر، وذلك بجذورها المنغمسة في باطن الأرض، ولولا لطفت القشرة الأرضية وتحركت وانعدم ثباتها، وهذا مصدقاً لقول الله تعالى: ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) [سورة النحل] فالجبال ممسكات للقشرة الأرضية.. وهناك وظيفة أخرى للجبال لم تعرف إلا حديثاً وهي تثبت الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية، تماماً كما تقوم الأوتاد بتثبيت الخيمة، والغلاف الجوي هو بمثابة خيمة عظمى أوجدها الله سبحانه وتعالى لحماية الأرض
هذا ما قاله العلماء عن الإشارات العلمية التي تشير إليها الآيات القرآنية التي تتكون من كلمتين فقط، فهل هناك جدال حول ضرورة بيان إعجاز العلمي للقرآن الكريم ولينظر المتحفظون إلى تلك الحقائق العلمية التي دل عليها القرآن بالتشبيه البليغ
2) قول الله سبحانه وتعالى: ( والجبال أرساها ) [سورة النازعات] آية تشير إلى حقائق كونية حديثة الاكتشاف، والمدخل البلاغي الذي تكمن فيه الإشارة العلمية إلى تلك الحقائق هو كلمة (أرساها): فالرسو يشير إلى حالة من حالات الثبات يكون الجسم فيها طاف ومستقر فوق سطح السائل، وبحيث يكون الجزء الغاطس في السائل بالقدر الذي يتناسب مع حجم الجسم الطافي وثقله، فيما يعرف بقوانين الطفو والذي يحدث للسفن الراسيات على الماء بفعل قوانين الطفو يحدث للجبال التي تستقر عائمة راسية على الطبقة السائلة في باطن الأرض
فانظر كيف حملت كلمة ( أرساها ) تلك الحقائق العلمية التي ذكرها علماء طبقات الأرض بكثير من لتفصيل فيما يعرف ( بعلم وصف الجبال ) Orography"".. ونحن هنا نقول لمن ينكرون الإعجاز العلمي للقرآن الكريم:حكّموا عقولكم ولا تحكموا أهواءكم !!
3) قول الله سبحانه وتعالى: ( والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها ) [سورة النازعات] وفي تفسيره يقول المفسرون:أخرج من الأرض العيون والينابيع، وهذا هو المعنى القريب الذي يفهمه الناس جميعاً في كل الأزمان، وعن التعمق في فهم النص القرآني عرف المتخصصين أشياء أخرى كشفت عنها الأبحاث والدراسات في الأزمنة الحديثة، نذكرها باختصار فيما يلي:
أصبح هناك اعتقاد علمي بأن الماء على الكرة الأرضية في أول الأمر خرج من باطن الأرض نفسها على هيئة بخار الماء الذي قذفت به البراكين في بداية تكوين الأرض وتشكيلها:( والأرض بعد ذلك دحاها ) فالماء جاء من باطن الأرض بهذه الصورة في البداية
أما المياه الجوفية التي يتحصل عليها الناس من الآبار، وعلى شكل ينابيع فهي نتيجة لسقوط الأمطار على الأرض وتسريبها إلى الباطن، ثم خروجها بعد ذلك من الأرض، فتكون المياه في هذه الحالة ليست من ذات الأرض ولكنها من الأمطار التي سقطت عليها
وهنا يظهر الفارق الكبير بين فهم آيات القرآن الكونية بالمعنى اللغوي العام – ببساطته وسطحيته – وبين فهمها بالمعنى العلمي – بعمقه وحقائقه – مما يكشف عن الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.. ونقول لمفكري الإعجاز العلمي:تأملوا وتدبّروا !!
4) قول الله سبحانه وتعالى:( ألم نجعل الأرض مهاداً ) [سورة النبأ] وفيه يقول المفسرون:وجعلنا الأرض مهداً لكم كالفراش، وهذا هو المعنى اللغوي لكلمة (مهدا) أما علماء الكونيات فقد فهموا من الكلمة جملة من المعطيات العلمية التي توصلت إليها الاكتشافات الحديثة، والتي تندرج تحت الكلمة بالمطابقة السليمة بين المعنى اللغوي والدلالة العلمية، ونوجز ذلك فيما يلي:
كان سطح الأرض في الأزمنة السحيقة صلباً وخشناً وله بروز وغير مريح للإقامة وغير سهل للسير عليه، فتولته عناية الله سبحانه وتعالى بما سخره من عوامل التعرية التي قامت بتشكيل قشرة الأرض بدقة بالغة وبالشكل المناسب، وألقت التربة الناعمة على السطح لتصبح بمثابة الفراش ويصبح سطح الأرض مهداً..
وقد ورد بالقرآن نظائر كثيرة لكلمة ( مهاداً ) يفسر بعضها بعضاً وتزيد من الرؤية العلمية، ومنها [فراشاً، بساطاً، مهداً، قراراً، سطحت.. ]، وجاءت هذه الكلمات في آيات قرآنية موزعة على عدة سور منها:( الزخرف – طه – النازعات – البقرة – نوح – الرعد – الملك – الغاشية – الحجر – النبأ... الخ )
ولقد كانت التوافقية واضحة بين العلم وبين هذه المفردات القرآنية، مما يقرب إلى الأذهان مفهوم الإعجاز العلمي للقرآن ويؤكده.. ونقول للمنكرين للإعجاز العلمي:اقرؤوا وتدبروا !!
في علوم الفلك والأرصاد والفضاء
1) يقول الله سبحانه وتعالى:( وهو الذي مدّ الأرض..) [سورة الرعد]، وفيه ( مد ) بمعنى ( بسط )، والكلمة بمفردها تشير إلى الحقيقة العلمية عن كروية الأرض، حيث أن الشكل الكروي هو الشكل الهندسي الوحيد الذي لا نهاية لبسطه والذي ليست له حافة هاوية وتظهر بلاغة التعبير باستخدام كلمة ( مد ) لتعبر عن انبساط الأرض فيما يشاهده الناس فيفهمونها، كما أنه تعبر عن ( كروية الأرض ) التي يحققها علماء الكونيات فيقبلونها، وهنا يتحقق الإعجاز البياني الذي يقود إلى الإعجاز العلمي
أما إذا كانت كلمة ( مد ) بمعنى الزيادة، فيصبح بها إشارة علمية أخرى إلى ما يحدث في الأرض من زيادات تتمثل في تكوين الجبال الرسوبية ودلتات الأنهار ورفع القيعان على شكل جزر، إلى آخر تلك الزيادات التي تطرأ على الجزء اليابس من كوكب الأرض
وبهذا تحمل الكلمة القرآنية أكثر من حقيقة علمية، وذلك بحسب المعنى اللغوي وإلى مثل ذلك نلفت نظر الباحثين في آيات القرآن الكونية، والراغبين في التعرف على الإعجاز العلمي وتعدد الإشارات العلمية في الكلمة الواحدة من آيات القرآن الكريم
2) قول الله سبحانه وتعالى:( أولم يروا أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. ) [سورة الرعد] يحمل عبارة (ننقصها) من أطرافها الكثير من الحقائق العلمية:فإلى جانب حقيقة النقص الموجود عند القطبين تصبح الأرض ناقصة التكوير، فإنه توجد أمور أخرى لإنقاصها حتى يكون ذلك مطابقاً لكلمة ( أطرافها )، ولا يكون النقص قاصراً على (الطرفين) ومن المعلوم أنه في الشكل الكروي يكون سطح الكرة كله بمثابة الأطراف، وعليه فإن سطح الكرة الأرضية هو ( أطرافها )، أما النواقص فهي كثيرة وتتمثل في إزالة أجزاء من مرتفعات سطح الأرض بفعل عوامل التعرية والنحت والعوامل الهوائية والمائية الأخرى، وبفعل النشاط التشويهي، وهبوط بعض الشواطئ أو غمرها بالماء، وما ينطلق من الأرض من الأجسام والمواد إلى الفضاء الخارجي في حالة تجاوزها قوة الجاذبية الأرضية.. إلى غير ذلك من أشكال النقص التي يذكرها العلماء
ولم يقتصر الفهم العلمي لعبارة "ننقصها من أطرافها" على ما حدث لقطبي الكرة الأرضية، وذلك لسببين لغويين:الأول أن الفعل جاء بصيغة المضارع الذي يفيد حدوث النقص في الماضي، كما يفيد حدوثه في الحاضر مع استمراره وثانيهما أن الكلمة ( أطراف ) بالجمع مما يجعل النقص غير قاصر على الطرفين وهكذا يسير البيان اللغوي مع البيان العلمي ويصبح الإعجاز اللغوي هو المعبر إلى الإعجاز العلمي.. ونقول لمنكري الإعجاز العلمي للقرآن الكريم:كونوا موضوعيين ولا تكونوا مشاغبين !!
3) قول الله سبحانه وتعالى: ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب صنع الله الّذي أتقن كل شيء إنّه خبير بما تفعلون ) [سورة النمل]، وفيه يرى كثير من المفسرين أن الآية تصف أحوال يوم القيامة أو ما يسمونه ( بين يدي يوم القيامة )، والسبب في ذلك الفهم أن الجبل لا تشاهد متحركة بل هي ثابتة في مواقعها كما أن الآيات في السياق تتحدث عن أحوال الآخرة
ولكن "الزمخشري" أدرك بذوقه البياني عدم التلاؤم بين قوله تعالى:( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) وبين ما سيحل بالجبال من نسف وتدمير غير أنه توقف عن القول أن حركة الجبال حاصلة في دنيا البشر، حيث أن ذلك يصطدم بالمشاهد
وقد أصبحت الآية – في العصر الحديث، وعلى ضوء الاكتشافات الكونية – واضحة المعنى، فهي تشير إلى الحقيقة العلمية ( حركة الجبال ) بحركة الأرض التي تحملها، كما تتحرك السحب محمولة بالرياح.. وتصبح الآية كاشفة لدوران الأرض قبل أن يكتشفه العلماء بقرون كثيرة ولعل الزمخشري أقدم على القول بذلك
أما القول بالسياق، وأن الآية جاءت في سياق آيات تتحدث عن يوم القيامة فقد جاءت الآية (86) التي تتحدث عن أمور كونية في الدنيا، وهي قول الله تعالى: ( ألم يروا أنّا جعلنا اللّيل ليسكنوا فيه والنّهار مبصراً إنّ في ذلك لآيـات لـقوم يؤمنون ) [سورة النمل]، جاءت هذه الآية في نفس السياق لآيات يوم القيامة بحيث تتخلل الآيات التي تتحدث عن الآخرة آيات تتحدث عن الدنيا، وهكذا يوجد تداخل أحياناً بين الموضوعين وإلى هذا نلفت النظر ونقول لمنكري الإعجاز العلمي للقرآن الكريم:ألا تكفيكم هذه البراهين ؟
4) قول الله سبحانه وتعالى:( والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون ) [الذاريات] يشير إلى ما اكتشفه العلماء حديثاً بشان الكون واتساعه المستمر، وتباعد المجرات عن بعضها والنجوم عن بعضها
وقد جاء النص القرآني معبراً بصراحة عن اتساع السماء، وذلك منذ أكثر من 1400 عام في حين أن العلم لم يتوصل إلى ذلك إلا منذ وقت قصير، مستخدماً أحدث الأجهزة وقد اكتشفوا امتداده واتساعه من خلال رصدهم للمجرات والأجرام السماوية التي تبعد عنا بملايين السنين الضوئية، وخاصة ما يسمى منها بأشباه النجوم "الكازار" وهي أبعد الأجرام السماوية التي تم التعرف عليها حتى الآن لشدة بريقها، إذ يتألق ( الكازار ) ببريق يساوي بريق مئات المجرّات
وقد وجد العلماء في رصدهم لحركة هذه الأجرام البعيدة عن طريق أطيافها أنها مزاحة نحو اللون الأحمر من طيف قوس قزح وهو ما يسمّى "ظاهرة الإزاحة الحمراء"، ومعناها أن هذه الأجرام تتحرك مبتعدة عنا.. كما وجدوا أنه كلما زاد بعد المجرة عن الأرض زادت سرعة ابتعادها عنا
وبذلك أثبت العلماء أن الكون يتمدد ويتسع بابتعاد مجراته بعضها عن البعض.. هذا التمدد مستمر حتى تفقد الجاذبية سيطرتها على هذه الأجرام الكونية فتتناثر في الفضاء محدثة نهاية العالم.. وصدق الله العظيم القائل:( وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجّرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدّمت وأخّرت ) [سورة الانفطار] ونقول لمنكري الإعجاز العلمي للقرآن:دعكم والمراء وكونوا مع الحق !!
5) قول الله سبحانه وتعالى:( الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ) [سورة الرعد]، يشير إلى أن السماء – وهي الكون وما به من الأجرام – قائمة ومرفوعة على عمد لا تُرى، وهي إشارة في باب الإعجاز العلمي للقرآن، حيث تشير إلى تلك القوى التي تحافظ على بقاء الكون مرفوعاً، ومنها الجاذبية العامة التي تحافظ على البناء السماوي بمكوناته البنائية، والتي قال عنها القرآن:( والقمر إذا تلاها ) [سورة الشمس]، والجاذبية العامة لم يكشفها ويكشف قوانينها العالم "نيوتن" إلا في القرن السابع عشر الميلادي أي بعد نزول القرآن بأكثر من عشرة قرون وبهذا السبق القرآني يكون الإعجاز العلمي
6) قول الله سبحانه وتعالى:(أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما.. ) [سورة الأنبياء] وفيه يقول المفسرون بأن السماوات والأرض كانتا في بدء خلقهما ملتصقتين ثم فصلهما الله سبحانه وتعالى عن بعضهما البعض والآية الكريمة تعد من عجائب الإعجاز العلمي في القرآن لأنها سبقت معطيات علماء الفلك المحدثين من أن الكون كله كان كتلة واحدة في أبسط صور التجمع وذلك قبل أن يصبح على وضعه الحالي، ثم حدث الفتق والانفصال بين أجزاء هذه الكتلة ونشأت الأجرام السماوية – بما فيها الأرض التي نعيش عليها.. وهم حتى الآن لا يدرون بالضبط كيف حدث هذا
وواضح أن السماوات – بالجمع لا بالإفراد هي والأرض تشمل الكون كله في حالته السديمية الأولى قبل أن تتخلف سموات وأرضين، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في سورة الطلاق:( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزّل الأمر بينهنّ ) ونقول لمنكري الإعجاز العلمي بالقرآن الكريم:اعقلوا وتدبّروا !!
7) قول الله سبحانه وتعالى:( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) [سورة يس] نقول في بعض معانيه ما يلي:المدخل إلى التعرّف على الإشارة العلمية بالآية القرآنية هو:كلمة "تجري" فهي تدل على حركة حقيقية عظيمة القدر، تختلف عن الحركة الظاهرية التي نراها للشمس والتي هي بسبب دوران الأرض حول الشمس والحقيقة العلمية التي كشفها العلم الحديث هي أن الشمس تتحرك – جرياً – بسرعة قدروها، كما رصدوا الجهة التي تجري الشمس نحوها في الفضاء الكوني الرهيب.. وذلك بالإضافة إلى حركة الجري حول المجرة
وهناك وجه آخر للإعجاز في هذه الآية الكريمة إذا كانت قراءة "لمستقر" بالقراءة الثانية، وهي:"لا مستقر" وقد كشف العلماء أخيراً أن المستقر الذي حددوا موقعه وهو ما يسمى ( فيجا ) – إن صح أن هذا هو المستقر – فهو الآخر في انطلاق في بحر الفضاء الكوني، فتكون الشمس مستمرة في جريانها مع حركة الكون الشاملة، فلا مستقر لها في جريها الذي رصده العلماء، وذلك يتمشى مع قراءة ( لمستقر )، فيكون استقرارها ليس في فضاء الكون الذي حدده العلماء، ولكنه استقرار عند الأجل الذي عنده تكف الشمس عن الجري وهو الأجل الذي حدده الله سبحانه وتعالى
ونلفت النظر إلى أن حركة الشمس وردت في بعض الآيات بفعل ( تجري )، كما وردت في بعض الآيات بفعل ( يسبحون ).. يقول الله سبحانه وتعالى:( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) [سورة يس ].. ولا يخفى أن ( الجري ) غير ( السبح ) فلابد أن يكون للشمس حركتان تختلفان في طبيعتهما، وهذا يستوجب جهود علماء الكونيات للكشف عنه علماً أن ( يسبحون ) جاءت للتعبير عن حركة الشمس في الفلك – وإذا كان الفلك معناه في اللغة هو كل شيء مستدير، تكون كلمة ( يسبحون ) تعبيراً عن دوران الشمس حول نفسها وحول مركز المجرة.
وقد يقرّب ذلك الفهم بيان الفارق بين ( تجري ) و ( يسبحون )، فيكون الفعل ( تجري ) تعبيراً عن الحركة السريعة في أعماق الفضاء الكوني، ويكون الفعل ( يسبحون ) تعبيراً عن الحركة الدائرية للأرض.. ويحتاج الأمر – كما قلنا – إلى دور علماء الكونيات لبيان الفروق بين الحركتين عن طريق دراسات وبحوث علم الفلك.. وبهذا تكون الاستفادة من الإعجاز العلمي في مجال البحوث والاكتشافات التي تنطلق من الإشارات العلمية بالآيات القرآنية، وما قلناه مثال لذلك ونقول للمتخوفين والمتحفظين على الإعجاز العلمي والتفسير العلمي للقرآن الكريم:اطمئنوا ولا تنزعجوا
8) قول الله سبحانه وتعالى:( ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) [سورة الحجر]، يشير إلى صعود الإنسان في الفضاء وإلى بعض ما يشاهده في الفضاء الكوني ومعنى ( سكّرت أبصارنا ) هو سدت ومنعت عن الإبصار وفي هاتين الكلمتين إشارة علمية إلى الظلام الدامس الذي يخيّم على الفضاء الكوني، لتصبح العيون غير قادرة عل الرؤيا، وكأنها ممنوعة من الإبصار
ومعنى ( نحن مسحورون ) :هو على غير طبيعتنا، وفي ذلك إشارة إلى ما يواجهه الإنسان وهو في الفضاء الكوني من أحوال غير مألوفة:كمنظر الأجرام السماوية بأحجامها وألوانها المغايرة لما هو مألوف على الأرض، وكمنظر المذنبات السابحة في السماء بذيولها وألوانها، بالإضافة إلى الشعور بانعدام الوزن، وضيق الصدر، وانعدام سماع الصوت، وتأثير الأشعة الكونية المنتشرة في الفراغ.. إلى غير ذلك من المتغيرات التي يقابلها الصاعدون في السماء، يظنون أنهم قد سُحروا وهذا ما يشعر به ويشاهده روّاد الفضاء الذين يصعدون في السماء
وبهذا تكون الآية الكريمة قد أشارت إجمالاً إلى ما يحدث لأهل الأرض عندما يصعدون في الفضاء الكوني وهو ما لا يمكن إدراكه إلا لمن صعدوا فعلاً، ولذلك فإن وجود هذه الإشارات العلمية وأمثالها بالقرآن الكريم إنما هو من قبيل الإعجاز العلمي لهذا الكتاب الموحى به من عند الله العليم الخبير على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  ونقول للمتخوّفين والمتحفّظين:اقبلوا ولا تترددوا
9) قول الله سبحانه وتعالى:( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنّما يصعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ) [سورة الأنعام]
جاء على سبيل الهداية، وهذا من مقاصد القرآن الأساسية – ولكن هذه الآية حملت إشارة علمية في قوله  والحقيقة العلمية التي( يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنّما يصّعّد في السماء )تعالى: يشير إليها النص القرآني وهي ( ضيق الصدر ) أصبحت من المعارف المؤكدة علمياً وتجريبياً في طب الفضاء، وأول ملاحظات عنها كانت بعد ما يزيد عن ألف سنة من نزول القرآن، والسؤال المطروح هو:كيف استطاع هذا النبي الأمّيّ ( سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  ) وهو الذي عاش كبقية مجتمعه بعيداً عن حياة الجبال الشاهقة، أن يصف ظاهرة تصعد الإنسان في الفضاء وما يصاحبها من ضيق شديد في الصدر ؟ لابد أن يكون الجواب هو أن القرآن الذي جاء به ذلك النبي الأمّيّ صلى الله عليه وسلم  وحياً من الخلاق العليم، وأن ما بالقرآن من إشارات علمية هو ولا شك من إعجازه .


  




الخاتمة والتوصيات :
     بالجملة فإنّ المتأمّل في الأدلّة والبراهين المتعدّدة التي قدّمها علماؤنا لإظهار إعجاز القرآن ، يجد فيها من البيان وتوافر شواهد الصدق ما يكفي لإقامة الحُجّة على الناس ، بأنّ هذا القرآن لا يمكن أن يكون من كلام بشر ، وأنّه تنزيل من الله العزيز الحكيم سبحانه .
     ولعلّ اختلاف العلماء حول وجوه الإعجاز يرجع في الحقيقة إلى أنّ دراسة النصّ القرآني الكريم قد تأثّرت _ من حيث النشأة وامتداداتها _ بالمناخ الثقافي السائد في كل عصر وزمان . فما من شكّ أنّه بدوام اتساع دائرة المعارف الإنسانية ، وتكرار تأمّل المتأمّلين في كتاب الله العظيم ، وتدبّرهم لآياته عصراً بعد عصر ، وجيلاً بعد جيل ، يفتح الله تعالى على العلماء باكتشاف حقائق ومستجدّات ، لم يتنبّه إليها المتقدّمون من السلف[11] .
     فالقرآن الكريم معجزة تخاطب كلّ عصر بما برع فيه أصحابه ، ولذلك يبقى عطاؤه دائماً لا ينقطع ، ليجد فيه كلّ جيل حاجته ومحجّته . يقول الله تعالى : ( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) [الكهف: 109] . حقّاً ! فلو كانت بحار الدنيا حبراً ومداداً ، وكُتبت به كلمات الله وحِكَمه وعجائب قدرته ، لفني ماء البحر على كثرته وانتهى ، وكلام الله لا ينفد ، لأنّه غير متناهٍ ، كعلمه سبحانه وتعالى .
     وفي هذا يقول الزرقاني رحمه الله : "لقد اشتمل القرآن على آلاف من المعجزات ، لا معجزة واحدة فحسب . فلم يذهب بذهاب الأيام ، ولم يمت بموت الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل هو قائم في فم الدنيا يجابه كلّ مكذّب ، ويتحدّى كلّ منكر ، ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من هداية وتشريعات ونظم تكفل السعادة لبني الإنسان" [12] . ولذلك نجد أنّ دائرة الإعجاز القرآنية تتجلّى عبر الأزمان بأوجه مختلفة ومتعدّدة ، "بحيث لم يجد العلماء موضوعاً من مواضيع المعرفة الإنسانية إلا وكان القرآن عليه دليلاً" [13] .
     ولعلّ في هذا التعليل نكتة نفيسة ، ونحسبها السبب الرئيس في إقرار العلماء بأنّ "علوم القرآن وإنْ كثر عددها وانتشر في الخافقين مددها ، فغايتها بحر قعره لا يُدرك ، ونهايتها طود شامخ لا يُستطاع إلى ذروته أنْ يُسلك . ولهذا يُفتح لعالِم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب" [14] . وقد يلتمس القاريء أبعاد هذه الحقيقة إذا وقف على كتب الإعجاز في القرآن _ قديماً وحديثاً _ فإنّ ممّا يلفت الانتباه فيها تصريح كلّ مؤلّف أنّه جاء بشيء جديد ، لم يسبقه إليه أحد من قبل .





المراجع :

1.    د. مصطفى مسلم ، مباحث في إعجاز القرآن.
2.    ابن منظور ، لسان العرب .
3.    الراغب الأصفهاني ، المفردات في غريب القرآن  .
4.    جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن  .
5.    مجد الدين الفيروز آبادي ، القاموس المحيط  .
6.    جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن.
7.    عبد القاهر البغدادي ، الفَرق بين الفِرق.
8.    د. عائشة عبد الرحمن ، الإعجاز البياني للقرآن.
9.    بديع الزمان سعيد النورسي ، الكلمات.
10.                       الدكتور كارم السيد غنيم ، جامعة الأزهر ، أمين عام جمعية الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
11.                       شواهد في الإعجاز القرآني للدكتور عودة أبو عودة  .
12.                       محمد عبد العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآن.
13.                       جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن  .
14.                       جلال الدين السيوطي ، التحبير في علم التفسير













الملخص :

المعجزة مأخوذة من العجز . وهو في اللغة : التأخّر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر ، أي مؤخّرته  ، وصارت اسماً للقصور عن فعل الشيء ، وهو ضدّ الحزم والقدرة  . وقد وضع العلماء لها شروطاً ، ومنها : أن تكون أمراً خارقاً للعادة مقروناً بالتحدّي وسالماً عن المعارضة  . فهي إذن كلّ أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدّعي النبوّة عند تحدّي المنكرين ، على وجه يعجزهم عن الإتيان بمثله .
ومن المعلوم في التشريع أنّ كلّ رسول كان يحمل بين يديه آية معجزة إلى قومه ، يلقاهم بها متحدّياً ، لتكون هي دليله القطعيّ على أنّه مبعوث من الله سبحانه وتعالى . فالمعجزة هي البرهان الذي يؤيّد الله بها رسوله المبعوث لإثبات مصداقيّة المنهج الذي يحمله . وهي تكون إمّا حسيّة وإمّا عقلية  .
     فالمعجزات الحسيّة هي كلّ ما أوتيه الأنبياء من آيات قبل نزول القرآن كناقة صالح ، وعصا موسى ، وإحياء الموتى بإذن الله على يدي عيسى عليهم الصلاة والسلام . وسُميّت هذه المعجزات بالحسّية لأنّها انقرضت بانقراض الأجيال المعاصرة لهؤلاء الأنبياء ، فلم يشاهدها بالأبصار إلا مَن حضرها . وأمّا المعجزة العقلية فهي متمثّلة بالقرآن الكريم لأنّها مستمرّة إلى قيام الساعة ، فلا يمرّ عصر من العصور إلا ويظهر فيه شيء يدلّ على صحّة دعواه ، فيبقى معجزة مشاهَدة بعين العقل لكلّ عصر ولكلّ جيل .
قد بعث الله الرسل لهداية أجيال محدّدة ، في أزمان محدّدة ، وفي أماكن محدّدة ، وأيّدهم برسالات لتكون هي منهج الحياة والتشريع ، ثمّ أيّدهم في الوقت نفسه بالمعجزات لتكون دليلاً على صدق دعواتهم . فمعجزات موسى وعيسى عليهما السلام شيء ، ومنهجهما المتمثّل بالتوراة والإنجيل شيء آخر . أمّا خاتم الأنبياء والرسل نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد بعثه الله تعالى هدًى ورحمة للعالمين مؤيَّداً بالقرآن العظيم ، ليكون المنهج القويم والتشريع الخالد لأمم العالم أجمعين ، وليكون في الوقت نفسه المعجزة الخالدة إلى يوم الدين ، فهو إذن معجزة ومنهج في آن واحد .
قضيّة الإعجاز قد فرضت نفسها من قديم على السلف من علماء المسلمين ،  إلا أنّ أقوالهم تعدّدت في وجوهها . وأيّاً ما قالوا فيها ، فإنّ الأمر الذي لا ريب فيه هو أنّ إعجاز القرآن من جهة البلاغة والفصاحة لم يكن قطّ موضع جدل أو خلاف، وإنّما كان الجدل بين أهل النظر في اعتبار القرآن معجزاً في غير ذلك من مختلف الوجوه.
ومن المؤكد أن كافة المؤيدين يتفقون على ضرورة وجود المنهج والقواعد والضوابط التي بها يتعاملون مع آيات القرآن الكريم في دراسة الإشارات العلمية وفي التفسير العلمي، غير أنهم متفاوتون في الالتزام بشروط الدراسة ولكنهم جميعاً يحرصون على إجلال القرآن وتعظيمه واحترامه واحترام مقاصده ومعانيه.
فمن  المعلوم لدى العلماء أن القرآن يفسر بعضه بعضاً، فما أجمل في موضع فصل في موضع آخر، وبالتالي يجب ألا تتعارض المعالجة العلمية لنص قرآني مع مضمون نص قرآني آخر، وبهذا تكون المطابقة بين الحقيقة الكونية وجملة ما يتصل بها أو بموضوعها من الآيات القرآنية، لا بينها وبين آية واحدة قد يخفى معناها على الناظر ولا يتبين إلا في ضوء آية أو آيات أخرى في نفس موضوعها .



[1] - د. مصطفى مسلم ، مباحث في إعجاز القرآن ، ص 46 .
[2] - ابن منظور ، لسان العرب ، مادة (عجز) .
[3] - الراغب الأصفهاني ، المفردات في غريب القرآن ، مادة (عجز) .
[4] - جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، 2/311 .
[5] - مجد الدين الفيروز آبادي ، القاموس المحيط ، مادة (عجز) .
[6] - جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، 2/311 .
[7] - عبد القاهر البغدادي ، الفَرق بين الفِرق ، ص 394 .
[8] - د. عائشة عبد الرحمن ، الإعجاز البياني للقرآن ، ص 82 .
[9] - بديع الزمان سعيد النورسي ، الكلمات ، 1/421 .
[10] - الدكتور كارم السيد غنيم ، جامعة الأزهر ، أمين عام جمعية الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .
[11] - انظر : شواهد في الإعجاز القرآني للدكتور عودة أبو عودة ، ص 19 .
[12] - محمد عبد العظيم الزرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآن ، 2/232 .
[13] -  جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، 2/338 .
[14] - جلال الدين السيوطي ، التحبير في علم التفسير ، ص 28 .

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مرات مشاهدة الصفحة

جميع الحقوق محفوظة

النجباء

2016