-->
النجباء النجباء
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

جدل القرآن




جدل القرآن




المقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وبه نستعين , والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين .
كان عماد النبي صلى الله عليه وسلم في مجادلة المشركين وأهل الكتاب وغيرهم القرءان الكريم , يحتج به عليهم لإثبات دعواه , وكلما أوردوا اعتراضا نزل في الرد عليهم قرءان يتلى , يعلن لهم به وضح الحق , ويرد كيدهم في نحورهم .
وكتاب الله تعالى فوق أنه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى , وفوق أنه اشتمل على الرد على اعتراض المشركين وغيرهم على الإسلام ,هو فوق ذلك كله المثل الأعلى الكامل الذي لا يرتقي إلى بيانه محتج أو متكلم , ولا يداني أساليب احتجاجه واستدلاله مستدل أو مجادل .
لذلك وجب أن نعرف شيئا من أساليب جدله واستدلاله , لا طمعا في محاكاته , ولكن للاقتباس من نوره والاهتداء بهديه .
والمظهر العام للجدل في القرءان معاملة الخصوم بما يتناسب مع أحوالهم العلمية والاعتقادية  ,فطبائع الناس مختلفة , وأهواؤهم متضاربة , ومسالكهم في طلب الحق متفاوتة .
فكثيرا ما نجد جدل القرءان مع المشركين جدل هداية ودلالة , وقد يشتمل على تخطئة بعض مزاعمهم, بينما يكون مع أهل الكتاب جدل تخطئة وإلزام لأنهم على علم , أما جدل القرءان مع المنافقين فتبدو عليه سمات الشدة والقسوة مصحوبا بالتهديد والوعيد .



المبحث الأول :
مفهوم الجدل والمناظرة


الحقائق الظاهرة الجلية يلمسها الإنسان وتنطق بها شواهد الكون ولا يحتاج إلى برهان على ثبوتها، أو دليل على صحتها. ولكن المكابرة كثيراً ما تحمل أصحابها على إثارة الشكوك وتمويه الحقائق بشبه تلبسها لباس الحق، وتزينها في مرآة العقل، فهي في حاجة إلى مقارعتها بالحجة، واستدراجها إلى ما يلزمها بالاعتراف آمنت أو كفرت. والقرآن الكريم وهو دعوة الله إلى الإنسانية كافة- وقف أمام نزعات مختلفة حاولت بالباطل إنكار حقائقه ومجادلة أصوله. فألجم خصومتهم بالحس والعيان، وعارضهم في أسلوب مقنع، واستدلال ملزم، وجدل محكم.
الجدل لغة : من جدل , جدلت الحبل : إذا أحكمت فتله .
يقال : جدل جدلا الرجل : اشتدت خصومته .
وجادل جدالا ومجادلة: خاصمه . تجادلا : تخاصما .
الجدل والجدّال والمجدَل والمجدال : الشديد الجدال .
وخلاصة المعنى اللغوي للجدل أنه :اللدد في الخصومة والقدرة عليها وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام .
ويمكن أن نقسم الجدل إلى قسمين :
منه ما يحل , وهو كل جدل يراد منه الاسترشاد أو مناصرة الحق أو الوصول إليه ومنه ما يحرم , وهو كل جدل ظاهَرَ الباطل أو أفضى إليه.
وقد شاعت بين الناس ألفاظ إن لم تكن واحدة في المفهوم , فهي قريبة بعضها من بعض كالمناظرة والمحاورة والمناقشة والمباحثة , لأنها ترجع في نهاية أمرها إلى طريقة البيان والتبيين التي أوجدها الله تعالى في بني الإنسان جبلة وطبعا , وتوجد بين هذه الألفاظ فروق بيّنتها قواعد الجدل وأدب البحث والمناظرة .
والجدل والجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة لإلزام الخصم، أصله من جدلت الحبل: أي أحكمت فتله، فكأن المتجادلين يفتل كل وأحد الآخر عن رأيه.
وقد ذكره الله في القرآن على أنه من طبيعة الإنسان في قوله {وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً} (54- الكهف) أي خصومة ومنازعة.
و أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجادل المشركين بالطريقة الحسنة التي تلين عريكتهم في قوله {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (125- النحل).
وأباح مناظرة أهل الكتاب بتلك الطريقة في قوله {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} (46- العنكبوت).
ومثل هذا من قبيل المناظرة التي تهدف إلى إظهار الحق، وإقامة البرهان على صحته، وهي الطريقة التي يشتمل عليها جدل القرآن في هداية الكافرين وإلزام المعاندين. بخلاف مجادلة أهل الأهواء فإنها منازعة باطلة، قال تعالى {ويجادل الذين كفروا بالباطل} (56- الكهف).
والقرآن  الكريم تناول كثيراً من الأدلة والبراهين التي حاج بها خصومه في صورة واضحة جلية يفهمها العامة والخاصة، وأبطل كل شبهة فاسدة ونقضها بالمعارضة والمنع في أسلوب واضح النتائج، سليم التركيب، لا يحتاج إلى إعمال عقل أو كثير بحث.
ولم يسلك القرآن  في الجدل طريقة المتكلمين الاصطلاحية في المقدمات والنتائج التي يعتمدون عليها، من الاستدلال بالكلي على الجزئي في قياس الشمول، أو الاستدلال بأحد الجزأين على الآخر في قياس التمثيل، أو الإستدلال بالجزئي على الكلي في قياس الاستقراء.
أ- لأن القرآن جاء بلسان العرب، وخاطبهم بما يعرفون .
ب- ولأن الاعتماد في الإستدلال على ما فطرت عليه النفس من الإيمان بما تشاهد وتحس دون عمل فكري عميق أقوى أثراً وأبلغ حجة.
ج- ولأن ترك الجلي من الكلام والإلتجاء إلى الدقيق الخفي نوع من الغموض والإلغاز لا يفهمه إلا الخاصة، وهو على طريقة المناطقة ليس سليماً من كل وجه ، فأدلة التوحيد والمعاد المذكورة في القرآن من نوع الدلالة المعينة المستلزمة لمدلولها بنفسها من غير احتياج إلى اندراجها تحت قضية كلية : قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ( الرد على المنطقيين ) : "وما يذكره النظار من الأدلة القياسية التي يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه وتعالى لا يدل شيء منها على عينه ، وإنما يدل على أمر مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فإنا إذا قلنا : هذا محدث ،وكل محدث فلا بد له من محدث ، أو ممكن ، والممكن لا بد له من واجب، إنما يدل هذا على محدث مطلق، أو واجب مطلق … لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه " …وقال : " فبرهانهم لا يدل على شيء معين بخصوصه، لا واجب الوجود ولا غيره ، وإنما يدل على أمر كلي ، والكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وواجب الوجود يمنع العلم به من وقوع الشركة فيه ، ومن لم يتصور ما يمنع الشركة فيه لم يكن قد عرف الله " … وقال : " وهذا بخلاف ما يذكر الله من الآيات في كتابه ، كقوله : {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} (164- البقرة) وقوله {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، لقوم يتفكرون} وغير ذلك، فإنه يدل على المعين كالشمس التي هي آية النهار … وقال تعالى : {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} (12- الإسراء) فالآيات تدل على نفس الخالق سبحانه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره، فإن كل ما سواه مفتقر إليه نفسه، فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه".
فأدلة الله على توحيده وما أخبر به من المعاد، وما نصبه من البراهين لصدق رسله لا تفتقر إلى قياس شمولى أو تمثيلي، بل هي مستلزمة لمدلولها عيناً، والعلم بها مستلزم للعلم بالمدلول، وانتقال الذهن منها إلى المدلول بيّن واضح كانتقال الذهن من رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها، وهذا النوع من الاستدلال بدهي يستوي في إدراكه كل العقول.
قال الزركشي: "اعلم أن القرآن العظيم قد اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة، وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد شيء من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله  تعالى قد نطق به، لكن أورده تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق أحكام المتكلمين لأمرين:
أحدهما: بسبب ما قاله: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} (4- إبراهيم) الآية.
والثاني: أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام، فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم يتخط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزاً، فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه من أجل صورة تشتمل على أدق دقيق، لتفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، وتفهم الخواص من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الخطباء .
وعلى هذا حمل الحديث المروى: " إن لكل آية ظهراً وبطناً ولكل حرف حداً ومطلعاً" لا على ما ذهب إليه الباطنية، ومن هذا الوجه كل منْ كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر، ولذلك إذا ذكر تعالى حجة على ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافته إلى أولي العقل، ومرة إلى السامعين، ومرة إلى المفكرين، ومرة إلى المتذكرين، تنبيهاً أن بكل قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقة منها، وذلك نحو قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} (4- الرعد) وغيرها من الآيات.
واعلم أنه قد يظهر منه بدقيق الفكر استنباط البراهين العقلية على طرق المتكلمين ... ومن ذلك الاستدلال على أن صانع العالم واحد، بدلالة التمانع المشار إليه في قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (22- الأنبياء) لأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظام،  ولا يتسق على إحكام، ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما، وذلك لو أراد أحدهما إحياء جسم، وأراد الآخر إماتته، فإما أن تنفذ إرادتهما فتتناقض لاستحالة تجزؤ الفعل إن فرض الاتفاق، أو لامتناع اجتماع الضدين إن فرض الاختلاف، وإما لا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى عجزهما ، أولا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي إلى عجزه ، والإله لا يكون عاجزا".
أ- ما يذكوه تعالى من الآيات الكونية المقرونة بالنظر والتدبر للاستدلال على أصول العقائد كتوحيده سبحانه في ألوهيته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر- وهذا النوع كثير في القرآن.
فمنه قوله تعالى {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون} (21 ، 22- البقرة) وقوله تعالى {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} إلى قوله {لآيات لقوم يعقلون} (163، 164- البقرة).
ب - ما يرد به على الخصوم ويلزم أهل العناد، ولهذا صور مختلفة:
1- منها تقرير المخاطب بطريق الإستفهام عن الأمور التي يسلم بها الخصم وتسلم بها العقول حتى يعترف بما ينكره، كالاستدلال بالخلق على وجود خالق في مثل قوله تعالى {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون ، أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين أم له البنات ولكم البنون، أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون} (35- 43- الطور).
2- الاستدلال بالمبدأ على المعاد. كقوله تعالى {أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد} (15- ق) وقوله {أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى} (36-40، القيامة) وقوله {فلينظر الإنسان مم خلق؟ خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، إنه على رجعه لقادر} (5-8 الطارق)  ومثله الاستدلال بحياة الأرض بغير موتها بالإنبات على الحياة بعد الموت للحساب كقوله {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى} (39- فصلت).
3- إبطال دعوى الخصم بإثبات نقيضها كقوله تعالى {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} (91- الأنعام) رداً على اليهود فيما حكاه الله عنهم بقوله {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء}.
4- السبر والتقسيم بحصر الأوصاف، وإبطال أن يكون واحد منها علة للحكم، كقوله تعالى {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أمَّا اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثين أمَّا اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (143- 144  الأنعام).
5- إفحام الخصم وإلزامه ببيان أن مدعاه يلزمه القول بما لا يعترف به أحد- كقوله تعالى {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون، بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم}  (100-101  الأنعام) فنفي التولد عنه لامتناع التولد من شيء واحد، وأن التولد إنما يكون من اثنين، وهو سبحانه لا صاحبة له، وأيضاً فإنه خلق كل شيء، وخلقه لكل شيء يناقض أن يتولد عنه شيء، وهو بكل شيء عليم، وعلمه بكل شيء يستلزم أن يكون فاعلاً بإرادته، فإن الشعور فارق بين الفاعل بالإرادة والفاعل بالطبع، فيمتنع مع كونه عالماً أن يكون كالأمور الطبيعية التي يتولد عنها الأشياء بلا شعور- كالحار والبارد، فلا يجوز إضافة الولد إليه [2].
وهناك أنواع أخرى من الجدل كثيرة، كمناظرة الأنبياء مع أممهم، أو فريق المؤمنين مع المنافقين، وما شابه ذلك.






المبحث الثاني
منهج القرآن الكريم في الجدل

نبقى مع كتاب الله عز وجل لنؤكد أن الأثر الأكبر كان له في منـاهج المسلمين إذ إننا سنجد أن القرآن الكريم يخاطب الناس بكل دلائل العقل البرهانية ، والجدلية والخطابية كما أشرنا آنفاً وذلك لكي يلبي كل حاجات الناس العقلية ومواهبهم وقدراتهم وسوف نرى أن أكثر طرق الاستدلال التي استخدمها القرآن الكريم تتجلى في المنهج الكلامي الإسلامي :
فقد استخدم القرآن الكريم قياس الأولى بشكل واسع النطاق وله تطبيقات كثيرة في كتـاب الله عز وجل : } وَلَهُ الْمَثَـلُ الأَعْلَى فِي السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ { [3] ومن أمثلة ذلك قوله عز وجل : } أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ { . وقوله عز وجل : } أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ"[4] . ففي هاتين الآتيين الكريمتين إثبات حكم الشيء بناء على ثبوته لنظيره بشكل آكد وأقوى لأن من خلق الشيء يكون قادراً على خلق مثله أو أقل منه"[5]
وقوله عز وجل  "لَخَلْقُ السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ"[6]  وقوله عز وجل : } وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ! قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ! الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ !أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ !إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"[7]  فالذي يخلق من العدم من باب أولى قادر على الإعادة والذي يخلق الشيء من ضده كالنار من الشجر الأخضر ، قادر على خلقه من عناصره [8] . وقوله عز وجل : } أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [9] وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ"[10]
من أمثلة ذلك في الرد على النصارى قوله عز وجل : } إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " [11] فإذا كان الخلق من غير أب مسوغاً لاتخاذ عيسى إلهاً فأولى بآدم المخلوق من غير أب ولا أم أن يكون هو الآخر إلهاً ، لكن لما لم يكن آدم إلهاً باعترافكم فمن باب أولى أن لا يكون عيسى إلهاً "[12]
واستخـدم القرآن الكريم قيـاس الخلف ، وهو إثبـات المطلوب بإبطـال نقيضه  وذلك في قوله عز وجـل : " لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ "[13]. ويسمى هذا الدليل برهـان التمـانع أيضاً ، ومن أمثلته أيضاً في القرآن الكريم : } وَلَـوْ كَانَ مِنْ عِنْـدِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَـدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [14] . ففي الآية الأولى تعدد الآلهة باطل لأنه يورث الفساد فثبت أن الله عز وجل واحد .وفي الآية الثانية الاختلاف والتناقض باطل لا وجود له في القرآن الكريم فثبت نقيضه وهو أنه محكم معجز فهو لذلك كلام الله عز وجل.[15]
واستخـدم القرآن الكريم قيـاس الغائب على الشاهد الذي يسمى أيضاً قياس التمثيل [16] ، ولكن الفرق كبير جداً بين استخدام القرآن الكريم له ، واستخدام المتكلمين ، فالقرآن الكريم يستخدمه لإثبات قدرة الله عز وجل بأمور مشاهدة للإنسان أو معلومة له بشكل قطعي بدهي لا تنكره العقول ومن أمثلة ذلك قوله تعالى : } وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ! قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ !الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ !أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ !إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "[17] . وهي الآيات التي ذكرناها قبل قليل مثالاً لقياس الأولى .
فالقرآن الكريم يقيس الغائب هنا وهو الإعادة بعد الموت على أمور معلومة قطعاً للإنسان وهو أنه وجد من لا شيء بعد أن لم يكن أو على شيء مشاهد محسوس يراه الإنسـان بعينـه وهو استخـراج الحـار من الشجر الأخضر الرطب أي استخراج الشيء من ضده .[18]
ومثل ذلك قوله عز وجل : "وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِـعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَـا الْمَـاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّـذِي أَحْيَـاهَا لَمُحْيِي الْمَـوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُـلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "[19]. فقياس الغائب هنا وهو إحياء الموتى على أمر مشاهد محسوس لا يشك فيه عاقل وهو حياة الأرض بعد جفافها ويبسها .
هذا الاستخدام القرآني يختلف جداً عن استخدام بعض المتكلمين إذ جرت عادتهم على استخدامه في الصفات والأفعال الإلهية مما جر إلى كثير من الأخطاء .
واستخدم القرآن الكريم التسليم الجدلي للخصـوم ثم كر على مقـالاتهم بالنقض والإبطال ومن أمثلة ذلك قوله عز وجل : " مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُـلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَـقَ وَلَعَـلا بَعْضُهُـمْ عَلَى بَعْـضٍ سُبْحَـانَ اللَّهِ عَمَّـا يَصِفُونَ " [20]. والمعنى ليس مع الله عز وجل إله ، ولو سلم ذلك لكم لزم من ذلك ذهاب كل إله بما خلق وعلوُّ أحدهما على الآخر ، فلا يتم في العالم أمر ، ولا ينتظم فيه حكم والواقع خلاف ذلك ، لأن نظام العالم قائم على أحسن حال ، والتناسق الموجود في الكون غاية في الجمال ، فبطل إذن وجود آلهة غير الله عز وجل لأنه يلزم من ذلك اختـلال النظـام في العـالم ، وهذا النوع لا يختلف عن قياس الخلف إلا من جهة التسليم الجدلي المذكور اقتراضاً وليس حقيقة وواقعاً[21].
ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله تعالى يحكي عن الأنبياء وأقوامهم :
·   }قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ !قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَـاءُ مِنْ عِبَادِهِ)[22] فهنا تسليم جدلي من الأنبياء عليهم السلام للمنكرين لنبوتهم لأنهم بشر بأنهم بشر حقاً ولكن ليست البشرية مانعاً من النبوة "[23]
·   واستخدم القرآن الكريم طريقة القسمة ويضرب السيوطي [24] مثلاً لذلك بقوله عز وجل : " ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ … " [25]
هذه الأمثلة القرآنية لاستخدام صور متعددة في الاستدلال ، كان لها الأثر الكبير في مناهج المتكلمين الذين استخدموها بشكل واسع النطاق ، ولكن ما ينبغي المقارنة بين المنهج القرآني في الاستدلال ، والمنهج الكلامي ، ذلك لأن القرآن الكريم لا يخوض في التقسيمات والتشقيقات والتفريعات المملة والمرهقة التي نجدها لدى بعض المتكلمين ، والتي لا تؤدي إلا إلى إتعاب الناظر ، وإجهاد عقله وفكره دون جدوى ، إضافة إلى أن جدل المتكلمين موجه إلى العقل فقط ، فهو لذلك يتسم بالجفاف والتعقيد ولا يعطي في الغالب ثمرة إيجابية ، لأن اليقين العقلي لا يكفي وحده لدفع الناس إلى الالتزام ، إذ لا بد من أن يقترن هذا اليقين بدافع من الحب أو الخوف أو الرغبة أو الرهبة ، وهذا هو منهج القرآن الكريم الذي لا يفصل دائماً بين الدليل العقلي ، والوازع القلبي والعاطفي ، ويقرن دائماً الترغيب والترهيب بأدلة العقول والنظر ، فلنتأمل في بعض هذه الآيات يقول عز وجل : } إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ! إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا! مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا "[26] . فهو بعد أن توعد المنافقين استثنى منهم التائبين والمخـلصين ثـم بيـن أنـه عز وجل غني عن عـذاب العـالمين : } ما يفعل الله بعذابكم {. أي أنه عز وجل لا شأن له بعذابكم لأنه منزه عن دفع المضار وجلب المنافع وإنما قصده حمل المكلفين على فعل الحسن ، واجتناب القبيح .[27]
ومع النصارى نعود إلى الآيات القرآنية لنتأمل فيها يقول عز وجل : } لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ !لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ !أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ! مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ! قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ! قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ"[28]. يجد المتأمل في هذه الآيات أن القرآن الكريم يستخدم مع النصارى الدليل العقلي والدليل الوجداني .
 وقد تمثلت الأدلة العقلية في هذه الآيات في :
·   أن المسيـح نفسه يتـبرأ من هـذه الدعوى ويعلن عبوديته لله عز وجل ويدعو الآخرين إلى عبـادة الله وحـده } وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ {.
·       وأن الأدلة قـامت على أنه لا إله إلا إله واحد فكيف تدعـون أنهـم ثلاثة } وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ { .
·   إضافة إلى أن المسيح رسول كغيره من الرسل يأكل الطعام وأكل الطعام كناية عن إحداث الحدث وهو في قمة الدلالة على العبودية والضعف } كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ { .
·   إضافة إلى أن المسيح عاجز عن الضر والنفع ، ولا يملك من ذلك شيئاً وكله بيد الله عز وجل : } قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ { .
وأما الأدلة الوجدانية فقد تمثلت في :
¯ الترهيب والوعيد وذلك في قوله عز وجل : } إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ{ وقـوله جـل شأنه : } وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ { .
 والترغيب والتأنيس وذلك في قوله عز وجل : } أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ { .
ونفس الأمـر نجـده مع اليهـود فنجـد التقريع والتهديد في قوله عز وجل:"وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ "28. ثم نجد في الآية التي تليها ترغيبٌ في الآخرة :"وَلـوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتـابِ ءامَنُوا وَاتَّقَوْا لكَفَّرْنَا عنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ". وترغيب في سعة الرزق وبسطة العيش في الدنيا كما في قوله عز وجل : "وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ " . ولعل ذلك لأنه عز وجل يعلم شدة حرصهم على الحياة الدنيا وطمعهم في ملذاتها .
إن دعوة القرآن الكريم الرفيعة اللينة لتأخذ بالألباب ، وتدخل إلى الوجدان فتؤثر في النفوس أيما تأثير حتى أن تلك النفوس المرتكسة في غيِّها تتفاعل فيها الأحاسيس والمشاعر عند سماع القرآن وتوقن في قرارات أنفسها بأن هذا يعلوا على أساليب البشر .[29]
وهذا ما وقع لكثير من المشركين عند سماع القرآن الكريم فقد سمع جبير بن مطعـم رسـول الله r يقرأ في صلاة المغرب بالطور فلما بلغ رسول الله r هذه الآيات : "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ! أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ! أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ " [30]  قال كاد قلبي يطير ، وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي .[31]
وهكذا نجد أن المنهج القرآني في الجدل يسلك طرائق مختلفة تخاطب الجوانب المختلفة في النفس الإنسانية ، عقله وضميره ووجدانه وحواسه




الخاتمة :

لقد اشتمل القرءان الكريم على مناهج في الاستدلال والجدل والتأثير تبين الكثير من أحوال الجماعات الفكرية والنفسية ,وتكشف عن أدق نواميس النفس الإنسانية , وفي مناهجه البيانية المثل الأعلى للكلام المؤثر والحجج الدامغة .

والقرءان الكريم نزل بالشريعة الأبدية التي بعث الله بها النبي صلى الله عليه وسلم للناس كافة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, لذلك جاء القرءان العزيز حجة الرسول الكبرى , وفيه من الأدلة والمناهج العقلية ما يقنع الناس جميعا على اختلاف أصنافهم وتباين مداركهم وأفهامهم  ,وجاء أسلوبه البياني والفكري بحيث لا يعلو على مدارك طائفة ولا ينزل على مدارك أخرى , بل يصل إلى مدارك الجميع , يجد فيه الفيلسوف بغيته , والمثقف مطلبه , والعامة غايتهم .



المراجع :

1.    الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي رائعة في الاستدلال.
2.    "البرهان" صفحة 24 وما بعدها، بتصرف.
3.    منهج القرآن في تأسيس اليقين للدكتور محمد السيد الجليند.
4.    مناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر الألمعي .
5.    الإتقان في علوم القرآن للسيوطي
6.    التفسير الكبير للرازي









[1] - الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي رائعة في الاستدلال.
[2] - انظر "البرهان" صفحة 24 وما بعدها، بتصرف.
[3] - سورة الروم آية 27
[4] - سورة يس آية 81
[5] - منهج القرآن في تأسيس اليقين للدكتور محمد السيد الجليند ص 79
[6] - سورة غافر آية 57
[7] - سورة يس آية 78- 83
[8] - انظر منهج القرآن في تأسيس اليقين للدكتور الجليند ص 81
[9] - سورة الأحقاف آية 32
[10] - سورة الروم آية 27
[11] - سورة آل عمران آية 59
[12] - مناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر الألمعي ص 77
[13] - سورة الأنبياء آية 22
[14] - سورة النساء آية 82
[15] - مناهج الجدل للألمعي ص 78
[16] - معيار العلم للغزالي ص 154 ومناهج الجدل للألمعي ص 78
[17] - سورة يس الآيات 78 – 83
[18] - : الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ص 53 ، 54 / مجلد 2 جزء 4 . ومناهج الجدل للألمعي ص 79
[19] - سورة فصلت آية 39
[20] - سورة المؤمنون آية 91
[21] - الإتقان للسيوطي ص 56 / مجلد 2 جزء 3 ومناهج الجدل للألمعي ص 82
[22] - سورة إبراهيم آية 10-11
[23] - الإتقان للسيوطي ص 57 / مجلد 2 جزء 3
[24] - السابق ص 55 / مجلد 2 جزء 4 .
[25] - سورة الأنعام آية 143
[26] - سورة النساء آية 145-147
[27] - التفسير الكبير للرازي ص 90 / مجلد 6 جزء 11
[28] - سورة المائدة آية 71- 76
[29] - انظر : مناهج الجدل للألمعي ص 69 ، 70
[30] - سورة الطور آية 34 – 36
[31] - الرواية أخرجها البخـاري في صحيحه كتـاب تفسير القـرآن رقـم 4854 وابن مـاجه في سننه كتـاب إقامـة الصـلاة والسنة فيها رقم 832 .

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مرات مشاهدة الصفحة

جميع الحقوق محفوظة

النجباء

2016