-->
النجباء النجباء
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

اللغة العربية بين الفصحى والعامية


 

اللغة العربية بين الفصحى والعامية




  
المقدمة :

اللغة العربية الفصحى أو العربية المعيارية هي لغة القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين، وهو لسان قريش والقبائل العربية العدنانيه بشكل عام القاطنه في مختلف أقاليم جزيرة العرب، فانتشرت لغة القرآن الكريم وغطت على اللهجات الأخرى التي إنزوت ولم تحافظ على أصالتها أمام التداخل الأعجمي نتيجة قلة الآثار المكتوبة بها، وبذلك حافظ القرآن الكريم على اللغة العربية الفصحى ومنع دخول الألفاظ الأعجمية والعامية عليها وأصبحت هي كأساس لزيادة مصطلحات باقي اللهجات العربية الأخرى ونتيجة للتطور المهول قد استعار علماء اللغة بعض الكلمات من اللغات الأخرى كالإنجليزية والأوروبية لإضافتها إلى مجال التعليم عن طريق ترجمة العلوم والمصطلحات.
وبلا شك أن تتغير اللغة العربية كغيرها من اللغات بمرور الزمن وما يستجد من أحوال اجتماعية ودينية وثقافية وسياسية، ولعل دلالة الألفاظ أكثر عرضة للتغير في لغتنا مقارنة ببقية أنظمة اللغة الصوتية والصرفية والنحوية. ففي الفصحى المعاصرة تغيرت معاني ألفاظ كثيرة عما سجلته المعاجم القديمة إما بتعميم دلالتها بعدما كانت خاصة أو العكس، وإما بنقل مجازي للدلالة بسبب المجاورة أو السببية أو اعتبار ما سيكون، أو غيرها من طرق النقل.
ولا شك أن علماءنا القدماء أدركوا هذا التغير في معاجمهم وكتبهم الأخرى من حيث تفرقتهم بين أصل المعنى الجديد الذي يسمونه لفظا إسلاميا أو مولدا أو اصطلاحيا. غير أنه جعل دراسته هذه معنية فقط بالتغير التركيبي الحادث في النظامين الصرفي والنحوي.
ومن الواضح اليوم أن اللغة العربية الفصحى تواجه صعوبات كبيرة في وقتنا الحاضر ، وأخطر تلك المخاطر استخدام اللهجات العامية المحلية في الاتصال مع المتلقي العربي لاسيما عبر الفضائيات العربية التي تعددت أشكالها وألوانها واختصاصاتها واهتماماتها.
لذا كانت أهمية الدراسة الحالية لموقع اللغة العربية ما بين الفصحى وبين العاميات المتداولة في مجتمعنا العربي ، وهذا ما سوف نناقشه بإذن الله تعالى .

أحمد الله وأشكر فضله علينا ،  والله ولى التوفيق .



المبحث الأول
تطورات اللغة العربية الفصحى وظهور العامية


إن اللغة العربية لغة كتابة وخطاب في العصر الحاضر، ويصدق عليها ما يصدق على جميع اللغات الحيَّة في العالم. وإن خصوصيتها تنبع من كون الفصحى لغة القـرآن الكريم والحديث النبوي الشريف . فهي اللغة الموحِّدة منذ أصبحت لغة الوحي، وهي لغة الإبداع في مختلف نواحي المعرفة الإنسانية، في الآداب والعلوم والفكر والفنون، في حضارة عربية إسلامية أصيلة، ولعدة قرون. وهذه الفصحى تعني في جميع الأحوال لغة الكتابة، سواءٌ أكان ذلك في مجال التأليف أم التعليم أم في مجال المراسلات السياسية والإدارية وفي مختلف جوانب الحياة الثقافية والفكرية والدينية.
وإلى جانب العربية المكتوبة، نرى العربية المحكية أو لغة التخاطب . وإن لغة التخاطب ، لا تعني بالضرورة اللغة العامية. فلغة التخاطب تختلف  عن اللغـة المكتوبـة في جميع اللغـات[1].
فالإشارة ونغمة الصوت والانفعالات الجسمية والعاطفية ومختلف الأوضاع النفسية والبيئية، تشكل عوامل مهمة في اللغة المحكية، لغة التخاطب. ويأتي موقعها بين اللغة الفصحى، اللغة المكتوبة واللغة العامية. ففي عهد الازدهار الحضاري وانتشار التعليم واختفاء الأمية عند بعض الشعوب، نجد اللغة المحكية تقترب كثيرًا في مفرداتها وتعابيرها من اللغة المكتوبة، ولكنها لا يمكن أن تكون هي نفسها في نظمها وأساليبها وبلاغتها.
وفي زمن التخلف الحضاري والتردي الثقافي والانهيار القومي تتردى اللغة القومية وكذلك اللغة المحكية حتى تصبح الأخيرة هي ذاتها اللغة العامية مع اختلاف في المستويات بين الشرائح الاجتماعية.
واللغة العامية، لا تعني بالضرورة اللغة الشعبية أو ما يسمونه في الوقت الحاضر لغة التراث الشعبي. وربما كان أقرب إلى الصواب، إذا قلنا: إنها تستوحي معناها من لفظة     " عامي " بمعناها الاصطلاحي، صفةً للإنسان الجاهل. فالإنسان العامي، هو الإنسان الذي لا يقرأ ولا يكتب. وإن العاميَّة هي لغة هذه الشريحة أو الشرائح من المجتمع. وتختلف مستوياتها اللغوية في الخطاب، باختلاف النسيج الاجتماعي للأفراد والجماعات من حيث المكانة الاجتماعية ومن حيث الغنى أو الفقر ومن حيث الذكاء والقدرة على الإبداع.
ويقودنا البحث العلمي المتأني لتاريخ الفصحى، منذ أن أصبحت لغة الوحي الإلهي، وعبر عصور الحضارة العربية الإسلامية، حتى يومنا هذا، إلى أنها قد اكتسبت جميع مقومات اللغات الحيَّة. فاستطاعت أن تعبر عن دقائق الفكر الإنساني، واستوعبت حصيلة ما وصل إليه الفكر الإنساني في جميع ميادين المعرفة، وفي مختلف الحضارات وخاصة ميادين الإبداع في الآداب والعلوم والفنون .
وخلاصة القول، فإن هذه الفصحى كانت ملازمة لوحدة الأمة وتقدمها العلمي وازدهارها الحضاري.
ولا يمكن أن يدور في الخيال، أن اللغة المحكية قد توقفت، حتى في أوج القوة السياسية وازدهار الحضارة العربية الإسلامية أو أن العامية، في أكثر أوضاعها خشونة وجلافة وفي أبعد مستوياتها عن استيعاب دقائق الفكر، وتجسيد القيم السامية، قد اختفت أو زالت. وإن الذي لا شك فيه هو أن جميع هذه المستويات اللغوية كانت موجودة. وأن التمايز بينها قوةً وانتشارًا كان يخضع لعوامل التقدم وعوامل الانحطاط، لعوامل الازدهار العلمي والحضاري ولعوامل التخلف والهزائم. فلم يكن الصراع في جميع هذه الحقب، بين العربية الفصحى والعاميات العربية، وإنما كان الصراع بين القوة والضعف، بين الوحدة والتشتت، بين العلم والجهل، بين عوامل الازدهار الحضاري وأسباب التخلف ... وكانت العربية الفصحى في جميع الأحوال، بل وفي أشدها ترديًا، الهدف الأسمى الذي يسعى إليه الناس في مجال الكتابة والخطابة، تعلمًا وإتقانًا. وكانت المستويات اللغوية تتفاوت من حيث القيم والمفاهيم حسب بعدها أو قربها من اللغة الفصحى. وقد يشوب اللحن اللغة الفصحى أو يخالطها إلى حد كبير، ولكن لم يكن ذلك يعني شرعية الكتابة بالعامية. فاللحن في اللغة الفصحى شيء والعامية شيء آخر... استطاعت العربية الفصحى بما أحاطها الناس، العامَّة منهم والخاصة، من حبٍّ وتقدير واحترام، أن تخرج سليمة من محنة تأخر الأمة العربية وغوصها في ظلمات الجهل والتخلف ... ولم تشكل العاميات في بيئاتها وأقطارها المختلفة خطرًا كبيرًا ينال من اللغة الفصحى. وكلما عظمت الأخطار كانت تتراجع الفصحى إلى قلاعها الحصينة في حلقات المساجد والكتاتيب، حول القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ... وإلى المؤسسات العلمية التي حافظت على كيانها عبر العصور، في جامع القرويين بفاس، وفي جامع الأزهر بالقاهرة وفي جامعة الزيتونة بتونس، وغيرها من المراكز الثقافية والتراثية مثل النجف وبغداد ودمشق والقدس ...
وأن الذي لا شك فيه أيضًا، أن أصحاب الكفاءات الأدبية والتقنية من عامة الناس، كانوا يعبرون عن أحاسيسهم، ويصورون وقائع حياتهم، ويصفون نزاعاتهم وغزواتهم بالشعر العامي، الذي كان يطلق عليه بصورة وأخرى " الزجل " ويسمونه الآن الشعر العامي، وفي بعض الأقطار العربية يسمونه " النبطي " .. وما كان يدور في خلد أحد أن هذا اللون من الأدب يزاحم العربية الفصحى أو يشكل خطرًا عليها، وإنما كان يمثل واقعًا اجتماعيًّا أصابه الجهل والتخلف. فقد صوَّر المبدعون من شعراء البادية ومن شعراء العامية جوانب حياتهم المختلفة وصوروا أحاسيسهم ومشاعرهم أصدق تصوير. ولكن التواصل بهذا الأدب وتذوقه والانفعال به، لا يتجاوز دائرة العامية لتلك القبيلة أو المناطق التي تنطق بها. وهي على كل حال عامية منطوقة غير مكتوبة. وما كان لهذه العامية أو الشعر العامي أن يكتب، لأن الكتابة تفسد عليه سحره وتأثيره في جمهور السامعين.














المبحث الثاني
عوامل انتشار اللغة العامية


بقي هذا الحال حتى القرن التاسع عشر، عندما بدأت الجيوش الاستعمارية تغزو مختلف الأقطار العربية في الجزائر وتونس ومصر والمغرب وبلاد الشام وأرض الرافدين. وبدأت تتسلل بأقنعة مختلفة إلى الجزيرة العربية. وكان إقصاء العربية الفصحى عن مجالاتها الحيوية في مختلف مناحي الحياة العلمية والإدارية ومحاصرتها من أهم أهداف المخططات الاستعمارية. فبدأ الاهتمام المنظم باللغات العامية المعاصرة. وبدأت الدراسات الموجهة لوضع قواعدها في النحو والصرف والنُّطق، والانتقال بها من لغةٍ منطوقةٍ محكية إلى لغة مكتوبة، ومن لغةٍ خشنةٍ، جلفة، تحمل القيم الإقليمية والقبلية ومفاهيم الغزو والتخلف إلى لغةٍ وطنيةٍ، على حدِّ تعبير أنصار العامية ومحبيها، تحل محل العربية الفصحى.
وسائل الإعلام وتأثيرها علي اللغة العربية :
أحدثت فيما بعد وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ثورة لغوية ومعرفية في القرن العشرين، فكان للصحف الريادة التاريخية في الوطن العربي. ونحن إذا استثنينا عددًا قليلاً منها خضع لتوجهات وظروف معينة، نرى أن الصحافة بصورة عامة، كان لها دور إيجابي في دعم العربية الفصحى وتطوير أساليبها، ورفدها بأساليب ومصطلحات تيسر استعمالها في مختلف مجالات الحياة.
وقد تسارعت التطورات في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وكان للحرب العالمية الثانية دور أساسي في تطور وسائل الإعلام المسموعة ( الإذاعة ) وكذلك في وسائل الإعلام المرئية ( التلفاز ). فوجهت البرامج الإذاعية إلى عامة الجماهير العربية في مختلف أقطارها، من أجل تعبئة المشاعر وتوجيه الرأي العام، وذلك من خلال تضييق شقة الاختلاف بين الفصحى والعاميات المحلية. فساهمت الإذاعة منذ البداية في إحداث تطورات جديدة في لغة المجتمع إلى جانب المؤسسات الإعلامية والتعليمية الأخرى. فكان على وسائل الإعلام في استعمالها اللغوي، أن تميز بين ثوابت اللغة العربية الفصحى المتمثلة بنحوها وصرفها ونظمها وبين ما هو عارض ومتبدل في مفرداتها ودلالات معانيها وأساليب تعبيرها .. فكانت لغة الإعلام الإذاعي الموجهة إلى جماهير الأمة، من متعلمين وأميين، تمثل مستوى من مستويات اللغة الفصحى للتعبير عن معاني الحياة الجديدة في تحولها إلى متطلبات الحياة العصرية.
وإنه لمن بدهيات الأمور، وما عليه التطور اللغوي في مساره الطبيعي، أن توجه أجهزة الاتصالات الجماهيرية المسموعة والمرئية، لنشر اللغة العربية الفصحى وتعميم خصائصها الأصيلة وصفاتها الذاتية. فالإذاعة والتلفاز تشغلان مكانة متميزة للارتفاع بالعاميات إلى مستوى العربية الفصحى، والنهوض بها والسمو بأساليبها وتعدد فنون القول فيها، من حيث كونها لغة الأمة الجامعة والموحدة. وتسهم هاتان المؤسستان، من خلال اللغة الفصحى في رقي تفكير الأمة بما تحمله من قيم وعقيدة وموروث حضاري، وبما تدخله وما تشيعه من مفردات ومصطلحات علمية وحضارية جديدة، ومن المفروض أن يتم ذلك كله وفق خطة لغوية، تلتزم بها أجهزة الاتصال الجماهيرية بصورة عامة، والإرسال الإذاعي والتلفازي بصورة خاصة. ومحور هذه الخطة الحرص على القواعد الأساسية في النحو والصرف والبلاغة، وتوجيه العناية إلى ما تختص به أساليب العربية الفصحى من بساطة وإيجاز ودقة ووضوح. ومن المفروض أن تتضافر الجهود لوضع المصطلحات الجديدة وتوحيدها في الوطن العربي كي تحتفظ العربية الفصحى بدوام وحدتها، لغةً للحياة والفكر والعلم والعقيدة.
ومنذ حوالي النصف الثاني من القرن العشرين، شاع الإرسال الإذاعي في مختلف الأقطار العربية وترتب عليه مسؤولية عظمى نحو جماهير المستمعين في توعيتها وتثقيفها وتعبئة الرأي العام وتوجيهه. فأصبحت الإذاعة قوة حيوية فاعلة في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والدينية والثقافية.
وجاء الإرسال التلفازي وأصبح له جماهير واسعة من المستمعين والمشاهدين؛ فأجهزة التلفاز تعتمد على ما يسمى بالشاشة الصغيرة. وهي تجمع المسموع إلى المنظور، وتستغل الصورة والصوت، والإرسال التلفازي يفضل الإرسال الإذاعي من هذه الناحية. وقد شاعت الشاشة الصغيرة في النصف الثاني من القرن العشرين ، وعمَّت مختلف الأوساط. وتطورت هذه الأجهزة تطورًا تقنيًّا هائِلاً، ودخلت عصر الفضائيات فأصبحت شاشة التلفاز لعرض أحداث العالم وشتَّى مظاهر الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى جانب التعرف على طبائع الأمم والشعوب وأساليب عيشها وعاداتها وعلى بيئاتها الجغرافية في الجو والبر والبحر. ومع أن التلفاز يفضل الإذاعة في بعض الجوانب، ومع مزاحمته لها، فإنه لم يكن بديلاً عنها. فطبيعة أجهزة التلفاز تهيئ له الفرص لمخاطبة شتى فئات الناس على اختلاف طبائعهم واتجاهاتهم، كما هو شأن الإرسال الإذاعي. وهذا يفرض على أجهزة الاتصال الجماهيرية من إذاعة وتلفاز، أن تتبنى لغة مشتركة، تستفيد من الصوت والصورة والحركة في الاتصال اللغوي والإعلامي. وإن نواميس الحياة الاجتماعية والتاريخية لأمتنا العربية والإسلامية، لتفرض أن تكون هذه اللغة المشتركة ، هي العربية الفصحى، الثابتة في نحوها وصرفها، والمتطورة بأساليبها ومفرداتها وَضْعًا ودلالة. وإن العربية الفصحى هي اللغة الوحيدة التي تستطيع الخروج من الحدود السياسية للدول العربية إلى مخاطبة الجماهير العربية في مختلف أقاليمها .. فهي لغة الاتصال بالجماهير التي تخاطب المتعلم والأمي معًا، وتُعْنى بما تقتضيه الحياة المعاصرة من تطور. فالعربية الفصحى هي التي تجسد نسيج الثقافة العربية، وتخرج بها من الإقليمية المحلية الضيقة إلى وحدتها العربية وإلى آفاقها الإسلامية وبالتالي إلى مجالها الإنساني.
إن هذا التيار في مسيرة العربية الفصحى هو التيار الغالب، لأنه يمثل طبيعة الحياة النامية والمتطورة. إنه يمثل القوانين العلمية لِتَطوُّر المجتمعات العربية وذلك بمعزلٍ عن إرادة ورغبات من يكيد للعربية الفصحى أو يدعم العاميات العربية عن جهل أو سوء نية أو الاثنين معًا.
كان التردي الذي أصاب العربية الفصحى في الأقطار العربية، وشيوع العاميات، نتيجة الجهل والتخلف. واستطاعت العربية الفصحى أن تجتاز قرون المحنة، بمالها من حبٍّ واحترامٍ وتقدير في نفوس عامة الناس على مختلف فئاتهم الاجتماعية . فاختفت عن المسرح الدعوات إلى إحياء العاميات وتقعيدها نحوًا وصرفًا وكتابة، واختفت أيضًا الدعوات إلى استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية وهجر كل ما هو تراثي، وفصل حاضر الأمة عن ماضيها.








المبحث الثالث
عودة الفصحى في القرن العشرين وأخطار العامية عليها


ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية، وقامت الشعوب العربية في جميع أقطارها بثورات دامية في سبيل حريتها واستقلالها حتى بدأت العربية الفصحى تستعيد سيادتها في أوطانها. ولكن بدأت سياسات لغوية مريبة، تنتقص من العربية الفصحى، واستطاعت هذه السياسات في معظم الأقطار العربية إقصاءها عن مجالاتها الحيوية في الجامعات والمؤسسات العلمية والتقنية والإدارية.
ومع أن العربية الفصحى تقابل الجهل والتخلف، كما كان شأنها في الماضي، فإن تأسيس الجامعات في الوطن العربي، وازدياد أعدادها منذ منتصف القرن العشرين، حتى بلغت الآن حوالي مئة وسبعين جامعة تنضوي تحت لافتة اتحاد الجامعات العربية، وأصبح المتخرجون فيها بالآلاف، لم يؤدِّ إلى سيادة العربية الفصحى. وتغيرت طبيعة الصراع والمواجهة، إلى صراع ومواجهة سياسية. فالفصحى هي اللغة الوحيدة التي تعطي لأمتنا العربية هويتها.
وهي الآن تواجه أخطارًا من نوع جديد، وأهمها:
أولاً: إقصاء اللغة العربية الفصحى عن سيادتها في أوطانها وعن مجالاتها الحيوية وإحلال اللغات الأجنبية محلها لاسيما في التعليم العالي والجامعي والمؤسسات العلمية والفنية.
ثانيًا: التوجه نحو العاميات الإقليمية وممارستها على الصعيدين الرسمي والاجتماعي والاهتمام العملي بها من خلال البرامج الإذاعية والتلفازية، بل ودور النشر.
ولن ننسى خطر مزاحمة اللغات الأجنبية للعربية الفصحى والسياسات الرسمية والعملية التي جعلت من الإنجليزية والفرنسية لغة للتدريس العالي والجامعي والبحث العلمي في جميع الأقطار العربية، إذا استثنينا سورية منذ سنة 1919م والسودان بأخرة وبعض الكليات الجامعية في عددٍ محدد من الأقطار العربية. فهذا موضوع يستحق أن تفرد له دراسة مستفيضة.
خطر العامية الإعلامية :
أما الخطر الذي يهمنا ، فإنه يتمثل بالتوجه نحو العاميات الإقليمية في جميع الدول العربية، وتشجيعها في برامج الإذاعة والتلفاز بل وفي بعض دور النشر. فإذا كانت الصحافة قد بدأت نسبيًّا في وقت مبكر في الوطن العربي، في مصر، وبعد ذلك في الأقطار العربية الأخرى، فإن الإرسال الإذاعي قد جاء متأخرًا.
وكانت بداياته الأولى في الإذاعة المصرية بالقاهرة . واتخذت الإذاعة في مصر سياسة لغوية من حيث الواقع العملي في معظم برامجها إذا استثنينا القرآن الكريم والأحاديث الدينية والتمثيليات التاريخية، تقوم على المزج بين العامية والفصحى، وعلى تسكين أواخر الكلم. واختارت اللهجة القاهرية بين اللهجات المتعددة التي يتحدث بها عامة الناس في مختلف مناطق القطر المصري. وقد سبق أن مارست مؤسسات إعلامية أخرى ثقافية وفنية، مثل هذه السياسة اللغوية. فكان المسرح المصري والسينما المصرية والأغاني المصرية، تتجه هذا الاتجاه. ومع أنها اختارت اللهجة القاهرية من حيث المبدأ، أساسًا للنطق، فقد أدركت أن الاتكاء على العربية الفصحى في سياق العامية، عامل جوهري، في برامجها وأنشطتها الثقافية والفنية الموجهة إلى مختلف شرائح الشعب المصري من مثقفين وأميين. وما لبثت وسائل الإعلام هذه المكتوبة والمسموعة والمرئية، أن وجدت أن الاتكاء على العربية الفصحى في هذا المزيج اللغوي هو الوسيلة الوحيدة  التي تمكنها من الخروج من الإقليمية الضيقة المحدودة إلى مجال الأمة العربية في وطنها الرحب من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وفي هذا التوجه الرحب تستطيع تحقيق أهداف ثقافية واقتصادية وقومية.
وتوالى تأسيس المحطات الإذاعية في بقية الأقطار العربية وحذت في سياستها اللغوية حذو الإذاعة المصرية من حيث المبدأ. وتلا ذلك إنشاء محطات التلفاز. وانتشرت وسائل الاتصالات هذه المسموعة والمرئية وشاعت، ولكنها بقيت في الوطن العربي أجهزة رسمية، تخضع للسياسة الحكومية في كل دولة من هذه الدول. فالتوجه الرسمي هو الذي يرسم لهذه الأجهزة اتجاهاتها السياسية والثقافية. فأصبحنا نرى كيف أن الأحداث الكبرى من سياسية واجتماعية، تجد صداها، سلبًا أو  إيجابًا في نوعية البرامج في الإذاعة وفي التلفاز، وفي لغة الإعلام والاتصال بجماهير الأمة.
فقد كان إنشاء الدولة الصهيونية في فلسطين، في قلب الوطن العربي، هزة عنيفة للأمة العربية، أعقبتها ثورات للتحرر والاستقلال في مختلف الأقطار. وتعالى المدُّ القومي العربي فتراجعت العاميات في برامج وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، لتحل محلها العربية الفصحى المشتركة، بأساليبها السهلة وخصائصها الذاتية في قدرتها على التعبير عن دقائق الفكر، بوضوح وسلاسة وإيجاز.
وفي كل مرة تتعرض الأمة العربية إلى محنٍ سياسية وعسكرية، تنطلق الأقلام الموتورة للنيل من اللغة الفصحى. فنراهم يختلقون الحجج ويلوون الحقائق، ويحمِّلون العربية الفصحى مسؤولية هزائمهم. ويجد ذ    لك صدى مريحا في الأوساط الرسمية المؤثرة، لأنها وجدت مِشْجبًا تعلق عليه نتائج سياساتها وتقصيرها. وبدأت العامية تجد طريقها إلى المحافل الرسمية، وإلى خطب الرؤساء والوزراء والمسؤولين الرسميين. وكان ذلك حتى أوائل الخمسينيات من القرن العشرين عملاً مستهجنًا.
وتوالت الأحداث والفتن والحروب الداخلية، تجتاح الأمة العربية في العديد من أقطارها وبدأ التَّقَوْقع الإقليمي والمحلي والطائفي يجد طريقه إلى السياسات الرسمية في معظم الدول العربية، لاسيما الغنية منها والمؤثرة. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا كله في أجهزة وسائل الإعلام. وكانت الإذاعة والتلفاز أهم هذه الأدوات باعتبارهما جزءًا لا ينفصل عن السياسة الإعلامية في كل قطر عربي . وإن التحول إلى الإقليمية الضيقة، والتكتلات الأجنبية والشعوبية المعادية لوحدة الأمة العربية والفكر العربي والثقافة العربية، يجعل اللغات العامية ودعمها ومحاولات تقعيدها وتقنينها، أهم وسيلة إعلامية لتحقيق الإقليمية والابتعاد عن قومية الثقافة العربية ووحدة الأمة.
وفي هذه الظروف الراهنة التي هانت بها الأمة العربية على أعدائها، وعلى نفسها وهو أشد أنواع الهوان ، تنطلق من أروقة بعض الدول العربيـة المهمة، لاسيما ما كان منها مهد العربية الفصحى، في الجزيرة العربية، حركات منظمة جعلت اهتمامها الفِعْلي بالعامية المعاصرة، أدبًا وفكرًا وتراثًا. وتجد هذه الاتجاهات الدعم من أقوى عناصر المجتمع تأثيرًا فأنشئت بعض المؤسسات التي تهتم بنشر العامية، وبتسخير المال لتشجيعها والحث على البحث والنشر والتأليف بها. واستجابت لهؤلاء وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وشرعت تُسوِّد بالعامية صفحات الصحف اليومية والأسبوعية [2] .
ومن هذه المؤسسات التي تعنى بنشر العامية المركز الإقليمي لدول الخليج الذي أسس في قطر سنة 1984م تحت اسم " مركز التراث الشعبي " [3].
ويعقب الدكتور صنيتان على هذا الوضع في الجزيرة العربية، قائلاً: " وحركة العامية فكرًا وثقافة وأدبًا في الجزيرة والخليج في هذا الوقت، وتحت الظروف الراهنة التي تمرُّ بها الأمة العربية من محيطها إلى خليجها، أمر يزيد الخوف ويبعث هاجس الريبة في نيات الذين يسعون لنشرها بهذه     القوة " .
وكان هذا الوقت، الذي أشار إليه الدكتور صنيتان، قبل عام1986م، تاريخ نشر كتابه، ومنذ ذلك الوقت، على ما أعلم، ازداد الاهتمام بالعامية والتأليف بها.
ونحن نرى بالمشاهدة الهجمات الحاقدة على اللغة العربية الفصحى. ومن بين أجهزة الاتصال الإعلامي وأقواها تأثيرًا أجهزة الإذاعة والتلفاز. فإذا استعرضنا برامج دور الإذاعة المنتشرة في الوطن العربي، نجد اللغة العامية أو المحكية الدارجة تحتل المكانة الأولى، وتستأثر بأطول الأوقات ...
وفي هذه الظروف القاسية، التي تمر بها الأمة العربية، نجد مع الأسف، أن ممارسة العاميات وتشجيعها ودعمها في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، تشكل عنصرًا أساسيًّا في السياسات الإعلامية واللغوية في جميع أقطار الوطن العربي، على اختلافٍ في المستويات.
فإذا كانت وسائل الإعلام الرسمية، أي التي تسيطر عليها الحكومات، تجد نفسها مضطرة في برامج القرآن الكريم والموضوعات الإسلامية خاصة، أن تستعمل اللغة العربية الفصحى، فإننا نرى بالمشاهدة والسماع ، كثيرًا من الفضائيات العربية ومحطات الإذاعة المحلية، تتبنى العاميات، عن سابق قصد وإصرار في سياسة مدروسة غير معلنة في كثير من الحالات. فإن المشاهد والمستمع للفضائيات العربية يلمس مدى استشراء العاميات واللهجات العامية على برامجها. وإن المتتبع لهذه البرامج يستطيع أن يدرك بسهولة، أن السياسات الإعلامية في الوطن العربي، تعمل على الانعزالية، وتوطيد دعائم الإقليمية المحلية، والنأي بنفسها عن الثقافة العربية الجامعة. وفي الوقت نفسه تمارس سياسة واقعية في الانفتاح على الثقافات الأوربية والأمريكية، وعلى لغاتها، بل وعلى أزيائها وأساليب الحياة فيها.
فهذه السياسات الإعلامية من حيث الممارسة تنطلق من واقع لغوي وتراثي وتاريخي وإسلامي موحد، ممثل بالعربية الفصحى إلى السير باتجاه التشرذم، والتفتت والتجزئة الإقليمية والمحلية ممثلٍ بالعاميات وما تحمله من قيمٍ أخلاقية واجتماعية متخلفة. ويتم هذا كله في الوقت الذي نرى فيه الدول الأوربية مثلاً، تنطلق من تعدد اللغات المختلفة والثقافات المتباينة، والتاريخ الحافل بالصراعات العرقية والمذهبية والأطماع الاستعمارية إلى إقامة وحدة اقتصادية وسياسية، والسير على طريق الوحدة الثقافية.
وخلاصة القول، فإن مسيرة بعض وسائل الإعلام العربية   المقروءة والمسموعة والمرئية باتجاه الانعزال المحلي، واستعمال العاميات، لغةً محكية ومكتوبة، إنما هو تعبير عن حالة مرضية طارئة، قد تطول مدتها أو تقصر، ولكنها لا محالة زائلة بزوال أسبابها ... فهذا هو ما تمليه حقائق الأشياء. وما تقضي به نواميس تطور الأمم وتقدمها.
فمن حيث الواقع العملي، فإن وسائل الإعلام الحديثة المقروءة والمسموعة والمرئية، الموجهة إلى جماهير الأمة العربية وشعوبها، في أقاليمها وكياناتها السياسية المتعددة، تجد لزامًا عليها أن تخاطب الأفراد والجماعات بلغة مشتركة وليس أمامها، بالتالي سوى العربية الفصحى لغة مشتركة، يفهمها العامي والمتعلم على مختلف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية، وإن حبَّها واحترامها وتقديرها، ليتغلغل في اللاوعي في نفس العربي الذي يعتز بعروبته وإسلامه. فللعربية خصائص ذاتية، تجعلها قادرة على التعبير عن دقائق الأفكار، واستيعاب كل جديد في الفكر الإنسانـي والحضارة الإنسانية.






المبحث الرابع
دور الفضائيات العربية في التنافس بين الفصحى والعامية


من الواضح اليوم أن اللغة العربية الفصحى تواجه صعوبات كبيرة لجهة اتجاه الإعلام العربي إلى استخدام اللهجات العامية المحلية في الاتصال مع المتلقي العربي لاسيما عبر الفضائيات العربية التي تعددت أشكالها وألوانها واختصاصاتها واهتماماتها. ومن الطبيعي أن الإعلاميين العرب والمهتمين باللغة العربية لم يولوا الاهتمام الكافي لمساعدة اللغة العربية على احتواء لغة الحضارة الجديدة المعاصرة، لسبب بسيط أن معظم كتاب ومذيعي ومقدمي البرامج ومعلقين إذاعيين ومترجمين وحتى رجال الدين الذين يقدمون أو يظهرون كضيوف في البرامج الدينية، يفتقد معظمهم الثروة اللغوية المطلوبة، لشد انتباه المتلقي ويعانون نقصا" خطيرا" في فهم قواعد اللغة العربية وأصولها بالإضافة إلى نقص واضح في الثقافة العامة.
إن الاتجاه الذي بدأ يظهر في بعض الفضائيات العربية نحو زيادة الخطاب الإعلامي بل وحتى نشرات الأخبار باللهجات العامية تمثل (بدون أي مبالغة) جزءا" أساسيا" من تيار الحرب الفكرية والنفسية والسياسية التي تستهدف الذهنية العربية وأسلوب التفكير لا بل حتى الوحدة المجتمعية ضمن أقطار الوطن العربي مع ملاحظة التفاوت بشكل نسبي بين بلد عربي وآخر.لذلك فقد انتشرت الكلمات الغامضة والمصطلحات الغريبة والمجتزئة بين الشباب حتى بات الأب أو الأم لا يفهمان عن ماذا يتحدث ابناؤهم وبناتهم كواحدة من النتائج السلبية التي بدأت تظهر ونتلمسها مع هذا التيار الجارف نحو اللهجات العامية في الفضائيات العربية!! حيث صارت اللهجات المحلية عبارة عن لغات تهدد مستقبل اللغة العربية الفصحى بعد أن صارت تستخدم في الفضائيات العربية بنسب تصل إلى تسعين بالمائة كممارسة وكتابة..أي أن الفضائيات ساعدت بشكل كبير على تحويل اللهجات العامية من لغة منطوقة إلى لغة مكتوبة!! قد يفسر بعض الناس ذهابنا لإلقاء الضوء على هذه الظاهرة انحيازا" إلى الهوية القومية وهي وان لم تكن جريمة إلا أننا نقول أن إحياء اللغة العربية الفصحى وإعطاءها القدرة – وهي تملكها – للتعبير عن كل مظاهر الحياة ينفي أي تفكير أو إحساس لدى أبناء الشعب لاسيما الشباب منهم بالغربة ويتيح للغة العربية ان تؤدي دورها كعامل أساسي لتوحيد ثقافة الشعب والأمة. وهذا الأمر يتطلب المزيد من الاهتمام باللغة العربية في مختلف مراحل الدراسة وإعادة النظر في مناهج تدريس اللغة العربية ووضع الخطط والبرامج للنهوض بأساليب استخدامها في التعبير الثقافي والأدبي والعلمي والمعرفي بصورة عامة من دون الركون إلى ضيق المساحة التي تتميز بها العامية حتى على صعيد البلد العربي الواحد الذي تتباين لهجاته بدون شك من مدينة إلى أخرى. وعليه لابد لنا أن نعود إلى الفضائيات والإذاعات العربية باعتبارها ابرز واهم وسائل الاتصال الجماهيرية، ساهمت تلك الفضائيات على الترويج للهجات المحلية خصوصا" في البرامج التمثيلية والمسرحية التي جذبت انتباه المتلقي العربي لاسيما بعد انخفاض مستوى أداء الممثلين والكتاب في اللغة العربية الفصحى في السنوات الأخيرة ما جعلها ثقيلة على مسامع العديد من الشرائح الاجتماعية متباينة الثقافات. أما على صعيد البرامج الإخبارية فان العديد من الفضائيات العربية تتجه اللهجات العامية في بث تلك البرامج على اعتبار أن الخطاب الإعلامي الإخباري لابد أن يخرج من إطار العمومية باستخدام الفصحى إلى إطار التوجه الخاص عبر اللهجات المحلية وهذا الأمر ينطبق حتى على البرامج الإخبارية الحوارية مثل الندوات والمناظرات واللقاءات..الخ..ولكن من الملاحظ أن العديد من مقدمي البرامج يحاولون الاستعانة باللهجات المحلية لجهلهم التعبير باللغة الفصحى خصوصا" المراسلين والعديد من مقدمي البرامج الإخبارية. ولم تستثن برامج الأطفال من خطر استعمال اللهجات العامية فالأطفال تلك الشريحة الاجتماعية التي ستشكل المستقبل الاقتصادي والعلمي والأدبي والفني والثقافي لأي بلد يتعرضون إلى استهانة بقابليتهم على الفهم والاستيعاب عند إصرار مقدمي برامج الأطفال على استخدام اللهجة العامية المحلية والمشكلة أن العلاقات المجتمعية والاقتصادية المعاصرة فرضت وجود مذيعي ومقدمي برامج من أقطار لا بل من مدن عربية تختلف لهجاتها المحلية لذلك نرى صعوبة في تفاعل الأطفال مع البرامج الموجهة إليهم عبر الفضائيات للاختلافات في اللهجات المسموعة عبر تلك البرامج سواء من مقدمي البرامج أو من المشاركين. الجانب الآخر الذي نرى انه من الضروري تسليط الضوء عليه هي قضية الترجمة سواء بالنسبة للأفلام و المسلسلات والبرامج الأجنبية فعلى الرغم من استخدام اللغة العربية الفصحى في الترجمة إلا أن رداءة الترجمة أسلوبا"ونحويا" وصرفا" وحتى إملائيا" هي السمة ا الغالبة على معظم تلك النتاجات ما يدل على أن المترجمين المستخدمين في الفضائيات العربية يلمون باللغة الأجنبية أكثر من إلمامهم باللغة العربية، وهذه مشكلة حتى قد تسيء فهم بعض التصريحات الصحفية المنقولة عبر الفضائيات لسياسيين أو مسؤولين.
خلاصة القول أن الفضائيات العربية لابد أن تعيد النظر في أساليب وطرائق استخدامها للغة العربية الفصحى مشيرين إلى أن العديد من الفضائيات والإذاعات الأجنبية الموجهة إلى الوطن العربي والتي تستخدم اللغة العربية الفصيحة تحقق انتشارا" وسماعا"مقبولا" من جانب المتلقي العربي، كما وان معالجة هذا الخلل الخطير في استخدام اللغة العربية عبر الفضائيات العربية يقع على عاتق الحكومات والمنظمات العربية المعنية بالحفاظ على الهوية الثقافية العربية من الضياع والتشويه في عصر العولمة.


المبحث الخامس
الاتجاهات المختلفة حول اللغة العربية الفصحى ومشكلة العامية


تعيش اللهجات العربية المتنوعة إلى جانب اللغة العربية الفصحى في المجتمعات العربية منذ زمن طويل، ويمكن القول إن هذه الظاهرة اللغوية الاجتماعية الراسخة قد جعلت الكتَّاب والمثقفين العرب مرغمين على قبول ثنائية التعامل اليومي مع اللغة العربية الفصحى واللهجة اللغوية السائدة في بيئة كل منهم. لقد ظل هذا القبول بعيداً عن ترسيم قواعده وأصوله، ثقافياً ورسمياً، على الرغم من تأثيره العميق في حيوات الناس والسلوك اللغوي اليومي لكل منهم، إذ لا يمكن الزعم بأن دعوة بعض المهتمين إلى الكتابة بحسب اللهجة العامية، وما واكبها من ظهور أعمال أدبية مطبوعة بحسب اللهجة العامية، قد ترافق بتأسيس نظري مناسب، فالتوتر في الحوار المصحوب بالتخوين يهيمن على اتجاهات الخائضين في قضية الفصحى واللهجات غالباً. ومن أبرز المواقف التي يمكن مناقشتها في هذه القضية، تبني الدعوة إلى اعتماد اللهجات المحلية لغة لتداول الفكر والآداب والفنون والعلوم، وما تشكله من تأثير واسع، يتنامى مع انتشار سيطرتها في وسائل الإعلام المرئي المتنامي باطراد. بدأت هذه الدعوة في اتجاهين، الأول رأى أصحابه ضرورة الكتابة باللهجة المحلية، ونشر الصحف والمجلات بها ،إلى جانب الفصحى،مسوغين موقفهم بأن جماهير المجتمع الأمية قادرة على فهم المكتوب باللهجة بقراءاته أو سماعه، فهماً أمثل. من أبرز ممثلي هذا الاتجاه عبد الله النديم، أحد قادة الفكر العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وقد استخدم العامية في مقالاته، مشيراً إلى الإيمان بالحاجة إليها لايقاظ الوعي الشعبي، وبكونها تصلح للكتابة، فخصص بابا للعامية في صحيفة (الأستاذ) عام ١٨٩٢، بعد أن أصدر بالعامية مجلته( أبو نظارة) عام (١٨٧٨)، ثم ( التنكيت والتبكيت) عام (١٨٨١) ، فلم يتهمه أحد بالعداء للفصحى أو العجز عنها، ولقيت المجلتان رواجاً منقطع النظير، وغزت مقالات النديم الإصلاحية، قرى الريف ونجوع الصعيد، وآزر قادة اليقظة القومية هذا الاتجاه، وقدروا جدواه)، كما تذكر د. عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطىء) في كتابها ( لغتنا والحياة). أما الثاني فرأى أصحابه ضرورة الكتابة باللهجة المحلية، ونشر الصحف والمجلات والمؤلفات العلمية بها، مع هجر الفصحى لأنها غير ملائمة للحياة المعاصرة ونهضتها، فضلاً عن صعوبات مواكبة اللغة العربية للعلوم الحديثة المتقدمة في العالم المعاصر، لاسيما العالم الغربي، ومصطلحاتها. وقد مثَّلَ هذا الاتجاه عدد من المستشرقين ، ثم نافح عنه عدد من المثقفين العرب، أبرزهم سلامة موسى في كتابه :(البلاغة العصرية واللغة العربية). إلى جانب ذينك الاتجاهين، برزت فكرة تلقيح العربية الفصحى بالعامية، وهو ما انتشر نظريا وإجرائيا مع عدد من الأدباء والنقاد، لاسيما المصريين، إذ نجد محمد عبد المنعم خفاجي ، في كتابه (مذاهب الأدب)يثني على أحمد أمين قائلاً: ( وينادي في كتابه ( فن القول) بتلقيح العربية بالعامية بإحياء الألفاظ العامية وإدخالها في الأداء الأدبي). وهذا القول ينسجم مع توجه كمال يوسف الحاج، في لبنان، إذ يرفض الجدل بين أنصار العامية والفصحى ويدعو لوجودهما كلتيهما، ويرى أن في الإنسان وجداناً وعقلاً وأن الأولى مهمة للتعبير عن الأول والثانية للتعبير عن الثاني. إن التساهل لدى بعضهم في مناقشة هذه القضية الخطيرة، يبقى محدودا، فلا اعتراف باللهجات المحلية للأقطار العربية، لدى كثير من الباحثين الذين يقرون عادة بوجود اللهجات المحلية، لكنهم يتهربون من ترتيب العلاقات الواقعية بين الفصحى واللهجات، فتنطلق ( بنت الشاطىء) د. عائشة عبد الرحمن في كتابها ( لغتنا والحياة) من الإقرار بأن (اللغة العربية هي اللسان القومي لشعوب الوطن العربي)، وإعلان عدم الاعتراف باللهجات ( لسان قومية)، ووسيلة تفاهم مشترك، وأداة اتصال فكري عبر الحدود)، قائلة: ( ومهما تختلف اللهجات المحلية لهذه الأقطار، فإنها لاتعرف غير العربية لسانَ قوميةٍ، ووسيلةَ تفاهم مشترك، وأداةَ اتصالٍ فكريٍّ عبر الحدود والمسافات). أمام الشعور بأهمية القضية، تتكرر صيحات إعلان خطر اللهجات على القومية العربية والعربية الفصحى، من حين إلى حين، فينقل معاصرو الشاعر أحمد شوقي قوله ذات يوم:(إنني أخشى على الفصحى من بيرم)،- أي بيرم التونسي الشاعر الذي كتب قصائده باللهجة المصرية، وتحققت له شهرة ومكانة واسعتان-، وهذه الخشية ملموسة في مؤلفات كثير من الأدباء والباحثين، يعبر عنها موقف عبد المعين ملوحي الذي يرى فيما يراه، أن خطر اللهجات لا يهدد العربية الفصحى فقط، فهو خطر على وجود الأمة، ويقول:( العرب أمة واحدة ولها لغة واحدة، أمَّا تفرُّدُ كلِّ قطر ٍبلهجة فسيؤدي إلى نشوء أمم عدة، كما حدث عندما توزعت اللغة اللاتينية إلى لهجات وأصبحت كلُّ لهجةٍ لغةَ أمة كالأمة الفرنسية أوالإيطالية أو الأسبانية). لقد مر زمن طويل على نشوء الحوار الثقافي العربي، حول العامية والفصحى، ودوريهما في الأدب والحياة، وإذ تعيد الثقافة العربية تجديد الأسئلة الجوهرية لمشاريع نهضتها الحديثة المتنامية منذ مطالع القرن التاسع عشر، يفرض هذا الحوار مكوناته وعناصره من جديد، باحثاً عن أجوبة مناسبة تدرك خطورة المهمات الجليلة التي تضطلع بها.






الخاتمة


للعربية الفصحى منذ أصبحت لغة الوحي الإلهي، لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، خصوصية، لا تشاركها فيها أية لغة أخرى. فقد أصبحت لغة ثابتة من حيث نحوها وصرفها ونطقها، ومتطورة ونامية  من حيث مفرداتها ودلالاتها وأساليبها.
إنها لغة باقية على وجه الأرض ما بقي الإسلام والمسلمون. وهي لغة خالدة بخلود القرآن الكريم.يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: " إنَّا أَنْزَلناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا"[4]، وفي آية أخرى:" وَهَذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبينٌ "[5]، ويتعهد سبحانه وتعالى بحفظه وبقائه، إذ يقول، عز وجل، " إِنّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإنِّا لهُ لَحَافِظُونَ" [6] . صدق الله العظيم.

 ====================


د. أحمد صدقي الدجاني  ، الفصحى والعامية في وسائل الإعلام ، انطباعات واقتراحات ، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، 4 أبريل سنة 2000م .
مرزوق بن صنيتان بن تنباك، الفصحى ونظرية الفكر العامي، الرياض، 1407هـ 1986 م



[1] - د. أحمد صدقي الدجاني  ، الفصحى والعامية في وسائل الإعلام ، انطباعات واقتراحات ، مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة / ع 91 ، ألقي هذا البحث في الجلسة الثالثة من مؤتمر المجمع في الدورة السادسة والستين بتاريخ 29 من ذي الحجة سنة 1420هـ الموافق 4 من أبريل ( نيسان ) سنة 2000م .
[2] - انظر: مرزوق بن صنيتان بن تنباك، الفصحى ونظرية الفكر العامي، الرياض، 1407هـ 1986/ ص 11.
[3] - انظر: مرزوق بن صنيتان ، ص 11
[4] - سورة يوسف: 2.
[5] - سورة النحل: 103.
[6] - سورة الحِجْر: 9.

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مرات مشاهدة الصفحة

جميع الحقوق محفوظة

النجباء

2016