-->
النجباء النجباء
random

آخر المواضيع

random
recent
جاري التحميل ...
recent

القضاء والقدر







القضاء والقدر




المقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى في سورة آل عمران (وما كان لنفس أن تموت إلا بأذن الله كتابا مؤجلا ) 145 ، وقال في سورة الأعراف  ( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) 34 ،وقال في سورة الحديد ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ان ذلك على الله يسير ) 22
 وقال في سورة التوبة ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) 51.وقال في سورة سبأ ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين)3
وقال في سورة الأنعام ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون)60
وقال في سورة النساء ( وان تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) 78.هذه الآيات وما شاكلها من الآيات يستشهد بها الكثيرون على مسألة القضاء والقدر استشهادا يفهم منه أن الإنسان يجبر على ما يقوم به من أعمال، وأنه يقوم بها ملزما بإرادة الله ومشيئته ، وأن الله هو الذي خلق الإنسان وخلق عمله ، ويحاولون تأييد قولهم بقوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون)[1]  كما يستشهدون بأحاديث أخرى كقوله تعالى : ( نفث روح القدس في روعي ، لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها وما قدر لها)[2].




مفهوم القضاء والقدر

معنى القضاء والقدر  :
القضاء لغة : هو إحكام الشيء وإتمام الأمر ، وأما القدر فهو في اللغة: بمعنى التقدير .
القدَر : هو تقدير الله تعالى الأشياء في القِدَم ، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة ، وكتابته سبحانه لذلك ، ومشيئته له ، ووقوعها على حسب ما قدرها ، وخَلْقُه لها .

وهو ما قدره اللّه وقضاه على العالمين والعوالم في علمه الأزلي مما لا يملكون صرفه عنهم. هذه العقيدة جاءت بها جميع الأديان فهي ليست خاصة بالمسلمين. قال العلامة ابن حزم الظاهري في كتابه الفِصَل: »ذهب بعض الناس لكثرة استعمال المسلمين هاتين اللفظتين إلى أن ظنوا أن فيهما معنى الإكراه والإجبار وليس كما ظنوا وإنما معنى القضاء في لغة العرب التي بها خاطبنا اللّه تعالى ورسوله وبها نتخاطب ونتفاهم أنه الحكم فقط ولذلك يقولون القاضي بمعنى الحاكم وقضى اللّه عز وجل بكذا أي حكم به ويكون أيضاً بمعنى أمر، قال تعالى: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه}[3] إنما معناه بلا خلاف أنه تعالى أمر أن لا تعبدوا إلا إياه.

ويكون أيضاً بمعنى أخبر، قال تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أنّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين}[4] بمعنى أخبرناه أن دابرهم مقطوع بالصباح. »وقال تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلون علوا كبيرا}[5] أي أخبرناهم بذلك. »ويكون أيضاً بمعنى أراد وهو قريب من معنى حكم، قال تعالى: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}[6] ومعنى ذلك حكم بكونه فكونه. »ومعنى القدر في اللغة العربية الترتيب والحد الذي ينتهي إليه الشيء تقول قدرت البناء تقديرا إذا رتبته وحددته، قال تعالى: {وقدر فيها أقواتها}[7] بمعنى رتب أقواتها وحددها. وقال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}[8] يريد تعالى برتبة واحدة.

»فمعنى قضى وقدر حكم ورتب، ومعنى القضاء حكم اللّه تعالى في شيء بحمده أو ذمه وبكونه وترتيبه على صفة كذا وإلى وقت كذا فقط وباللّه تعالى التوفيق». والصحيح هو أنه لا يحدث حدث في الأرض ولا في السماء مما جل أو صغر من سقوط ورقة وانتقال هباء أو خطور خاطر إلا وهو جار على نظام مقدر مقرر من أزل الآزال. على هذا نصت الآيات القرآنية.

فالقضاء: كل ما يقع على الإنسان أو منه أو فيه من غير إرادة منه واختيار له، سبق به علم اللّه أو مضى في كتابه، أو تعلقت به إرادته، كالمرض الذي يصيبه، أو الخطأ الذي يقع منه أو جريان الدم في عروقه، أو موعد ولادته، أو تكوين جسمه·
والقدر: الطبائع والقابليات والخصائص التي خلقها اللّه في الموجودات كقابلية الموت أو الجرح في الإنسان، خاصية الحرق في النار وقابلية الاحتراق في الخشب، وطبيعة الصلابة في الحديد، والسيولة في الماء، قال عز وجل (إنا كل شيء خلقناه بقدر)[9]  قال الإمام النووي:  "اعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه " ، أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى على صفات مخصصة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله سبحانه وتعالى.
وإذا ذكر وحده دون ذكر القضاء معه فهو يعني معنى القضاء والقدر·
مثلما يجتمعان، إذا كانت هناك نار موقدة (وخاصيتها الحرق) ، فهبت ريح حركها اللّه فنقلت شرارة إلى كومة قش (وقابليته للاحتراق) فحرقته، فكان الحادث قضاء وقدراً، أي القدر في خاصية الحرق في النار وقابلية الاحتراق في القش وقضاء اللّه في هبوب الريح وحملها لكومة القش·
وهذا المعنى هو الذي اختاره من بين الأقوال الكثيرة وهو أوضح في تعليل الحوادث وبيانها·

الفرق بين القضاء والقدر :
من العلماء من فرق بينهما ، ولعل الأقرب أنه لا فرق بين (القضاء) و ( القدر ) في المعنى فكلٌ منهما يدل على معنى الآخر ، ولا يوجد دليل واضح في الكتاب والسنة يدل على التفريق بينهما ، وقد وقع الاتفاق على أن أحدهما يصح أن يطلق على الآخر ، مع ملاحظة أن لفظ القدر أكثر وروداً في نصوص الكتاب والسنة التي تدل على وجوب الإيمان بهذا الركن . .


  

القضاء والقدر عند الآخرين


لم يأت هذين اللفظيين مقرونين مع بعضهما ( القضاء والقدر ) لا في الكتاب ولا في السنة ولا نطق بهما الصحابة ولا التابعين ولا كانت معروفة في أيامهم، وإنما هي مسألة من مسائل الفلسفة اليونانية ، التي انتقلت إلى المسلمين بعد ترجمة كتب الفلسفة اليونانية إلى العربية ، فاطلع عليها المسلمون وأرادوا أمرا يعرفوا رأي الإسلام فيها .
ومسألة القضاء والقدر التي بحثها اليونانيون تتعلق بأفعال العباد وما يتولد عنها من خاصيات ، كفعل الضرب الذي يتولد عنه الألم وفعل الطعن الذي يتولد عنه الجرح إنكار القتل ، هل خلقها الله أم الإنسان ، وأطلقوا على هذه المسألة مسميات أخرى هي (الجبر والاختيار) و(حرية الإرادة ) وانقسم الفلاسفة إلى فريقين :
1. الابيقوريون ، يرون ان الارادة حرة ، أي ان الإنسان حر الإرادة ، وهو يخلق أفعاله بنفسه ويخلق ما يتولد منها .
2.   الرواقيون ، يرون أمرا الإنسان لا إرادة له ، ولا حرية اختيار للإنسان في أعماله وما يتولد عنها .
 ولما أطلع المسلمون على تلك المسألة درسوها كمسألة علمية لا كمسألة فلسفية ، وطبق المعتزلة نظرياتهم في العدل عليها ،وبحثوها منطقيا واعتمدوا على الأدلة العقلية والمنطقية ثم جعلوا الآيات تسند أدلتهم فقالوا :
*أمرا أفعال العباد مخلوقة لهم ومن عملهم لا من عمل الله ، ودليل ذلك ما يشعر به الإنسان من التفرقة بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية كحركة اليد العادية وحركتها الارتعاشية ، فالحركة الاختيارية مرادة للإنسان وهي في مقدوره بخلاف الحركة الاضطرارية التي لا دخل له بها .
*لو لم يكن الإنسان خالقا لأفعاله لبطل التكليف ولتناقض ذلك مع عدالة الله المطلقة ،لان كونه عادلا يقضي عدم خلقه لأفعال الإنسان إذ كيف يخلق فعل الشر ويعاقب عليه .
·  ولذلك اعتبروا الإنسان خالقا لأفعاله وما يتولد عن الأفعال من خواص الأشياء كالألم المتولد عن الضرب ، كما اعتبروا الإنسان حر الإرادة فهو يريد الخير فيفعله ويريد الشر فيفعله ،
·  أمرا الله يريد الخير ويأمر بالطاعات ولا يريد الشر ولا يأمر بالمعاصي واستدلوا على ذلك بالقضايا المنطقية .
·  أمرا الله لم يخلق أفعال العباد لا خيرا ولا شرا ، وأن إرادة الإنسان حرة وهو يخلق أفعاله وما يتولد عنها من خصائص . لهذا يثاب على الخير ويعاقب على الشر .
ثم جعلوا الآيات تسند آرائهم فاستدلوا بقوله تعالى ( وما ربك بظلام للعبيد )[10] وقوله ( وما الله يريد ظلما للعباد )[11] وقوله ( ومن يعمل سوءا يجز به)[12] .
وبهذا أعطى المعتزلة رأيا جريئا في مسألة تتعلق بالعقيدة فثارت ثائرة العلماء الآخرين ، وردوا عليهم بنفس طريقتهم ، أي باستعمال  الأدلة العقلية  والمنطقية وأتبعوها بآيات من القرآن الكريم وانقسموا إلى فريقين : الجبرية وأهل السنة .
1-الجبرية :  قالوا أمرا الله خلق الإنسان وخلق أفعاله وما يتولد منها واستدلوا على ذلك  بقوله تعالى ( الله خالق كل شيء )62 الزمر، 16 الرعد ،  وقوله (خلق كل شيء فقدره تقديرا) 2 الفرقان ،  وقوله (والله خلقكم وما تعملون)  96 الصافات ، وقوله ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ) 68 القصص.

فأفعال الإنسان تقع بقدرة الله وليس للإنسان أي تأثير فيها ، ونسبة الأفعال إلى الإنسان مجازا فليس له إرادة حرة ولا قدرة له على خلق أفعاله ، وقالوا أمرا الله مريد لجميع ما كان وغير مريد لما لم يكن ولا يقع في ملكه إلا ما يريد ، فالإنسان مجبر على فعله وليس مخير ، وهو كالريشة في مهب الرياح واستدلوا بقوله تعالى (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)17الأنفال.
2-أهل السنة :  قالوا أمرا الله خالق كل شيء والعبد كاسب ، وبينوا ذلك بقولهم أمرا صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب ، وإيجاد الله الفعل عقب ذلك خلق، فالفعل داخل تحت القدرتين قدرة الله وقدرة الإنسان ، أي أمرا الله خلق الفعل عند قدرة العبد وإرادته لا بقدرة العبد وإرادته ، وهذا الاقتران بين خلق الله الفعل وبين قدرة العبد وإرادته هو الكسب ، وأيدوا دليلهم العقلي على الخلق ، بقوله تعالى ( الله خالق كل شيء )62 الزمر، 16 الرعد ،  وقوله تعالى ( والله خلقكم وما تعملون ) 96 الصافات ، وأيدوا دليلهم العقلي على الكسب بقوله تعالى (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) 286 البقرة ، وقوله (جزاءا  بما كانوا يعملون ) 24 الواقعة
وعلى هذا للعباد أفعال اختيارية يثابون عليها أمرا كانت خيرا ، ويعاقبون عليها أمرا كانت شرا.


علم الله وإرادة الإنسان

إن علم الله تعالى لا يجبر أحدا على القيام بعمل معين ، لان عمل الإنسان تم بناءا على اختياره وإرادته ، لا بناءا على علم الله ، لان الإنسان لا يدري من علم الله شيئا ، ولا يعرف ما كتب له في اللوح المحفوظ ، فمثلا قد يرى أب أن زيدا من أولاده سيعمل طبيبا، وان عمروا سيعمل نجارا ، وحدث ما توقعه الأب ، فهل توقعات الأب هي التي أجبرت الولدين على عمليهما ؟، ولله المثل الأعلى فهو الخبير العليم بمخلوقاته أدرى بما ستكون عليه الخلائق في المستقبل قبل أن يخلق الخلق، وما الكتابة في اللوح المحفوظ إلا كناية عن هذا العلم فقط ، وهذا العلم لا يجبر أحدا على القيام بأي عمل .
وقد أنكر المعتزلة وجود علم لله مسبق لما سيحصل من العبد فقالوا ( لا قدر وإنما الأمر انف ) أي لا علم سابق لما سيقوم به العبد لان ذلك يعني أن الإنسان مسير ، ومجبر على أن يسير في حياته وفق علم الله .

الرد عليهم

علم الله صفة متعلقة بذاته ، أي أن الله سبحانه وتعالى لكونه خالقا فان علمه أزلي فهو يعلم بما هو كائن وما سيكون ، وهذا العلم خاص به ، فهذا شيء خاص به وليس متعلقا بالعبد ، فهذه صفة أزلية من صفات الله تعالى ، فلا يعني كونه عالما أن العبد مجبر على أن يسير وفق علم الله ، لكن معناه أن الله لا يغيب عن علمه شيء فهو بعلم انه خلق هذا الإنسان وأعطاه إرادته وبعد أن خيره وبين له طريق الخير وأعطاه القدرة على الاختيار ، علم أن هذا العبد سيفعل باختياره كذا وكذا ، فالفعل هو باختيار العبد وليس بناء على علم الله ، كما إن الإنسان غير مطلع على علم الله حتى يقوم بناء عليه ، لهذا يقوم بالفعل باختياره .
وعلم الله هو القدر الوارد في حديث جبريل عليه السلام عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإيمان فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وهو أيضا المعنى المقصود في قوله صلى الله عليه وسلم ( واعلم أن الأمة أو اجتمعت على أن تنفعك بشيء لم تنفعك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وان اجتمعت على أن تضرك بشيء لم تضرك بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ) .



     
مجمل اعتقاد أهل السنة في القضاء والقدر

أن الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان وأنه لا يتم إيمان أحد إلا به ففي صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه بلغه أن بعض الناس ينكر القدر فقال : " إذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أني براء منهم وأنهم برآء مني ، والذي يحلف به عبد الله بن عمر ( أي : يحلف بالله ) لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر"  .
إن الإيمان بالقدر لا يصح حتى تؤمن بمراتب القدر الأربع وهي :
1. الإيمان بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا من الأزل والقدم فلا يغيب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض .
2.   الإيمان بأن الله كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة .
3. الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة فلا يكون في هذا الكون شيء من الخير والشر إلا بمشيئته سبحانه .
4. الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله فهو خالق الخلق وخالق صفاتهم وأفعالهم كما قال سبحانه : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء ) الأنعام/102
ومن لوازم صحة الإيمان بالقدر أن تؤمن :
بأن للعبد مشيئة واختياراً بها تتحقق أفعاله كما قال تعالى : (( لمن شاء منكم أن يستقيم)  التكوير/28  ، وقال : ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها )( البقرة/286
وأن مشيئة العبد وقدرته غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته فهو الذي منح العبد ذلك وجعله قادراً على التمييز والاختيار كما قال تعالى : (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) التكوير/29 .
وأن القدر سر الله في خلقه فما بينه لنا علمناه وآمنا به وما غاب عنا سلمنا به وآمنا ، وألا ننازع الله في أفعاله وأحكامه بعقولنا القاصرة وأفهامنا الضعيفة بل نؤمن بعدل الله التام وحكمته البالغة وأنه لا يسأل عما يفعل سبحانه وبحمده .
وبعد فهذا مجمل اعتقاد السلف الصالح في هذا الباب العظيم وسنذكر فيما يلي تفصيلاً لبعض ما تقدم من القضايا فنقول سائلين الله العون والتسديد :
منزلة الإيمان بالقدر من الدين :
الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي وردت في قوله صلى الله عليه وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره " رواه مسلم  وقد ورد ذكر القدر في القرآن في قوله تعالى : ( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) القمر/49 . وقوله تعالى: ( وكان أمر الله قدرا مقدورا )  الأحزاب/38 .
مراتب الإيمان بالقدر:
إن الإيمان بالقدر لا يتم حتى تؤمن بهذه المراتب الأربع وهي :
أ ـ مرتبة العلم : وهي الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وأن الله قد علم جميع خلقه قبل أن يخلقهم ، وعلم ما هم عاملون بعلمه القديم وأدلة هذا كثيرة منها قوله تعالى : (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) الحشر/22 ، وقوله تعالى : (وأن الله قد أحاط بكل شيء علما)  الطلاق/12 .
ب ـ مرتبة الكتابة : وهي الإيمان بأن الله كتب مقادير جميع الخلائق في اللوح المحفوظ . ودليل هذا قوله تعالى :(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)  الحج/16 .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " رواه مسلم (2653 ) .
ج ـ مرتبة الإرادة والمشيئة : وهي الإيمان بأن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى ؛ فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يخرج عن إرادته شيء .
والدليل قوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه) الكهف/23 ،24 وقوله تعالى :(وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)التكوير/29 .
د ـ مرتبة الخلق : وهي الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء ، ومن ذلك أفعال العباد ، فلا يقع في هذا الكون شيء إلا وهو خالقه ، لقوله تعالى:  " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ"  الزمر/62 . وقوله تعالى: " وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون" الصافات/96 .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يصنع كل صانع وصنعته " أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد( 25 ) وابن أبي عاصم في السنة ( 257و 358( وصححه الألباني في الصحيحة ( 1637( .
قال الشيح ابن سعدي ـ رحمه الله ـ : " إن الله كما أنه الذي خلقهم ـ أي الناس ـ ، فإنه خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم ؛ ثم هم فعلوا الأفعال المتنوعة : من طاعة ومعصية ، بقدرتهم وإرادتهم اللتين خلقها الله .[13]
التحذير من الخوض بالعقل في مسائل القدر :
الإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح ، وهو الاختبار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه تعالى ، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله ، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال ، وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها ، وقد كثر الاختلاف حول القدر ، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره ، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر ، ودس الشبهات حوله ، ومن ثم أصبح لا يثبت على الإيمان الصحيح واليقين القاطع إلا من عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، مسلِّماً الأمر لله ، مطمئن النفس ، واثقاً بربه تعالى ، فلا تجد الشكوك والشبهات إلى نفسه سبيلاً ، وهذا ولا شك أكبر دليل على أهمية الإيمان به من بين بقية الأركان . وأن العقل لا يمكنه الاستقلال بمعرفة القدر فالقدر سر الله في خلقه فما كشفه الله لنا في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم علمناه وصدقناه وآمنا به، وما سكت عنه ربنا آمنا به وبعدله التام وحكمته البالغة ، وأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون . والله تعالى أعلم .[14]



كيف نفهم القضاء والقدر

لكي يتضح لنا رأي الدين في القضاء والقدر لابد أن نشرح نقاطاً ثلاثة تعتمد عليها النظرية، في الاطار الذي يرسمه الاسلام لها:
1 ـ من رأي الدين ان الأحداث الاجتماعية بمجموعها تنشأ عن قضاء وقدر إلهي، ولا يمكن أن تخرج عن علم الله، أو يحدث شيء من ذلك من دون مشيئة الله. فإن الله سبحانه مبدأ كل شيء، وليس من شيء أو حدث يخرج عن علم الله ومشيئته.
يقول القرآن الكريم في ذلك: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير) الحديد/ 22.
(يقولون هل لنا من الأمر شيء. قل إن الأمر كله لله) آل عمران/ 154.
2 ـ تنفذ المشيئة الإلهية في الكون ضمن سلسلة طويلة من الأسباب والعلل، ويتحكم مبدأ العلية في كل شيء في هذا الكون.
فإن الأحداث الكونية والاجتماعية تنشأ عن أسبابها وعللها التي لا يمكن أن تتخلف عنها بحال من الأحوال. ولكل حدث علته التي تحتم وجوده (القضاء)، وتحدد شكله وتقدر حدوده (القدر).
ولا يمكن أن يتخلف قانون العلية هذا، ولا أن يحدث شيء دون سبب وعلة؛ موجبة له.
فإذن يتم قضاء كل شيء وقدره في مرحلة وجود علته وسببه. وعلة كل شيء هي التي تقضي وجوده، وتقدر شكله ونوعه. ولا ينافي هذا الأصل الأصل المتقدم من إسناد الأحداث إلى قضاء الله وقدره ومشيئته وعلمه.
فإن الله، تعالى، هو مبدأ هذه السلسلة الطويلة من الأسباب والعلل في النظرية الدينية، وإليه تنتهي هذه السلسلة الممتدة من الأسباب والعلل.
وكلما يجوز إسناده إلى هذه العلل يجوز إسناده إلى الله تعالى كذلك، بالحقيقة. فهو مبدأ هذه السلسلة من العلل وخالقها، والمهيمن عليها.
3 ـ ويملك الانسان حرية الاختيار والتصرف، فهو يستطيع باختياره أن يضع نفسه أي موضع يشاء من هذه الأسباب والعلل، وله ملؤ الحرية في هذا الاختيار والتصرف وإن كان لا خيار له بعد ذلك فيما يترتب على هذا السبيل أو ذاك من خير أو شر.
فإن الإنسان يواجه في حياته مجموعة من العوامل والأسباب المختلفة، وكل عامل من هذه العوامل يقود الانسان إلى نتيجة حتمية، حسب قانون العلية.
ويقف الانسان على مفترق الطرق بين هذه العوامل والأسباب ليختار لحياته مسلكاً من هذه المسالك المختلفة، بحرية، ودون أن يرغمه على هذا الاختيار شيء.
وليس بين هذا الاختيار وحتمية النتائج التي يؤدي إليها اختياره من تناف.. فإن حتمية النتائج لا تؤدي إلى سلب اختيار الانسان في اختيار هذا السبيل أو ذاك من سبل. الحياة، وفي اختيار هذه الجهة أو تلك من هذه الجهات الكثيرة التي تعرض للانسان، وإن كان الانسان لا يملك بعد الاختيار أن يتجنب النتائج الحتمية التي يؤدي إليها اختباره.
فإن كل سبيل من هذه السبل علة لنتيجة محدودة وحتمية لا يمكن أن تتخلف عن سببها (بموجب قانون العلية).
وإنكار الاختيار في الانسان، واعتباره أداة متحركة بفعل عوامل خارجة عن إرادته واختياره، كما يتحرك الحيوان، وكما يتحرك النبات والجماد بتأثير من عوامل خارجة عنها.. شيي يرفضه الوجدان.
فإن الكائنات الأخرى من غير الانسان ليس أمامها إلا سبيل واحد تسلكه، دون أن يكون لها اختيار في هذا السلوك، وتنتهي إلى نتائجها الحتمية بقانون العلية.
بينما الانسان يجد من نفسه بوضوح أنه يواجه دائماً أكثر من طريق واحد، ويقف دائماً على مفترق طرق كثيرة، في كل شؤون حياته وتحركاته، وأنه يملك ملء الحرية والاختيار في اختيار هذا السبيل أو ذاك، وفي اختيار هذه الجهة أو تلك.
وبذلك فليس من تناف بين (حتمية النتائج) التي هي نتيجة طبيعية لقانون العلية، وأساس لفكرة القضاء والقدر، وبين حرية الانسان (واختياره).

شواهد على القضاء والقدر:
والقضاء والقدر بهذا المعنى أمر شائع عند الناس، ومفهوم لديهم، قبل أن يكون من قضايا الدين والفلسفة.
فإن القائد الذي يسعى لتطوير جيشه، وتزويده بأحدث ما يمكن من أسلحة، وتدريبه على أفضل الأساليب في الحرب ويأخذ لجيشه بالمبادرة في الحرب، ويختار له الموضع العسكري المناسب، بصورة أفضل وأقوى من العدو يكسب المعركة (بصورة حتمية).
بينما لو تقاعس القائد عن ذلك، ولم يهيئ لجيشه فرصاً وامكانات أفضل من فرص العدو وامكاناته، وكان العدو يتفوق عليه في متطلبات المعركة.. فسوف ينهزم في المعركة بصورة حتمية أيضاً.
وليس بين هذه الحتمية وذلك الاختيار تعارض أو تناف مطلقاً، وكسب المعركة في الحالة الأولى والهزيمة في الحالة الثانية كلاهما من قضاء الله وقدره.
إلا أن هذه الحتمية والقضاء الإلهي لا يعني أن القائد لم يكن يملك الاختيار في الحالتين معاً في تغيير أسلوبه في الإعداد للمعركة والتهيؤ لها.
- القضاء الإلهي في الأمم والجماعات:
ولا يختلف الأمر عما تقدم حينما نستعرض مسألة القضاء والقدر على صعيد اجتماعي.
فمن قضاء الله أن الأمة عندما تكون واعية لما يراد بها من ظلم واستغلال، وحينما تكون مدركة لمسؤولياتها، وحينما تتحرك في استرداد حقوقها تسترجع مكانتها، وترد عن نفسها الظلم والاستغلال حتماً. وهذا قضاء الله.
وحينما تكون فاقدة للوعي، غير مدركة لمسؤولياتها، خامدة خاملة وراكنة إلى الظلم.. تتعرض لكثير من الظلم والاستغلال والاستبداد والنهب، وهذا أيضاً قضاء من الله.
وللانسان أن يختار بمليء حريته أياً من القضائين. والدين، بعد ذلك يأمر باختيار نوع من هذا القضاء، وينهي عن اختيار نوع آخر منه.
فهو يوجه المجتمع إلى الوعي والإدراك والتحرك والصمود، وينهى عن الجبن والتخاذل والركون للظلم.
(فاستقم كما أمرت، ومَن تاب معك، ولا تطغوا، انه بما تعملون بصير، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) هود/ 11-112.
وهذه الحقيقة يذكرها القرآن في أوضح وأوجز ما يكون من بيان.
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) الرعد/ 11.
فلا يغير الله ما بقوم من نعمة وعدل إلا أن يبدأ الناس أنفسهم بالظلم والإفساد، ولا يغير ما بهم من فساد إلى صلاح إلا أن يبدأ الناس أنفسهم باصلاح واقعهم.




حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الواجبات

 هل يصح للمذنب أن يحتج على وقوعه في المعصية بأن هذا ما قدره الله عليه؟.
قد يتعلل بعض المذنبين المقصرين على تقصيرهم وخطأهم بأن الله هو الذي قدر هذا عليهم؛ وعليه فلا ينبغي أن يلاموا على ذلك .
وهذا لا يصح منهم بحال ؛ فلا شك أن الإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجة على ما ترك من الواجبات ، أو فَعَلَ من المعاصي . باتفاق المسلمين والعقلاء .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : " وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين ، وسائر أهل الملل ، وسائر العقلاء ؛ فإن هذا لو كان مقبولاً لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال ، وسائر أنواع الفساد في الأرض ، ويحتج بالقدر. ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه ، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه ، بل يتناقض ، وتناقض القول يدل على فساده ، فالاحتجاج بالقدر معلوم الفساد في بدائه العقول " .[15]
وقد دل على فساد الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الطاعات ؛ الشرع والعقل ، فمن الأدلة الشرعية :
1- قول الله- تعالى - : ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا ءَابَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ)[16] ، فهؤلاء المشركون احتجوا بالقدر على شركهم ، ولو كان احتجاجهم مقبولاً صحيحاً ما أذاقهم الله بأسه . فمن احتج بالقدر على الذنوب والمعائب فيلزمه أن يصحح مذهب الكفار ، وينسب إلى الله الظلم تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً .
2- قال تعالى :(رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)[17] ، فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغاً لما انقطعت الحجة بإرسال الرسل ، بل كان إرسال الرسل لا فائدة له في الواقع .
3- أن الله أمر العبد ونهاه ، ولم يكلفه إلا ما يستطيع ، قال تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) التغابن/16 ، وقال سبحانه : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) البقرة/286
ولو كان العبد مجبراً على الفعل لكان مكلفاً بما لا يستطيع الخلاص منه ، وهذا باطل ، ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل ، أو إكراه ، فلا إثم عليه لأنه معذور . ولو صح هذا الاحتجاج لم يكن هناك فرق بين المكره والجاهل ، وبين العامد المتعمد ، ومعلوم في الواقع ، وبدائه العقول أن هناك فرقا جليا بينهما .
4- أن القدر سر مكتوم ، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه ، وإرادة العبد لما يفعله سابقة لفعله ، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علم بقدر الله ، فادعاؤه أن الله قدر عليه كذا وكذا ادعاء باطل ؛ لأنه ادعاءٌ لعلم الغيب ، والغيب لا يعلمه إلا الله ، فحجته إذاً داحضة ؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه .
5- أنه يترتب على الاحتجاج بالقدر على الذنوب تعطيل الشرائع والحساب والمعاد والثواب والعقاب .
6- لو كان القدر حجة لأهل المعاصي لاحتج به أهل النار ، إذا عاينوها ، وظنوا أنهم مواقعوها ، كذلك إذا دخلوها ، وبدأ توبيخهم وتقريعهم ، لكن الواقع أنهم لم يحتجوا به ، بل إنهم يقولون كما قال الله عز وجل عنهم : ( رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل ) إبراهيم/44 . ويقولون : ( ربنا غلبت علينا شقوتنا ) المؤمنون/106
وقالوا : ( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير) الملك/10 .  و (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) المدثر/44 ، إلى غير ذلك مما يقولون .
ولو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغاً لاحتجوا به ؛ فهم في بأمس الحاجة إلى ما ينقذهم من نار جهنم .
7- لو كان الاحتجاج بالقدر صحيحا لكان حجة لإبليس الذي قال :  (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) الأعراف/16 ، ولتساوى فرعون عدو الله ، مع موسى كليم الله عليه السلام
8- ومما يرد هذا القول ، ويبين فساده : أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه في أمور دنياه حتى يدركه ، ولا تجد شخصا يترك ما يصلح أمور دنياه ويعمل بما يضره فيها بحجة القدر فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر ؟!
وإليك مثالاً يوضح ذلك : لو أن إنساناً أراد السفر إلى بلد ، وهذا البلد له طريقان، أحدهما آمن مطمئن ، والآخر كله فوضى واضطراب ، وقتل ، وسلب ، فأيهما سيسلك ؟
لاشك أنه سيسلك الطريق الأول ، فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار ؟
ومما يمكن أن يُرد به على هذا المحتج ـ بناء على مذهبه ـ أن يقال له : لا تتزوج ، فإن كان الله قد قضى لك بولد فسيأتيك ، وإلا فلن يأتيك . ولا تأكل ولا تشرب ، فإن قدر الله لك شبعاً ورياً فسيكون ، وإلا فلن يكون . وإذا هاجمك سبع ضار فلا تفر منه ، فإن قدر الله لك النجاة فستنجو ، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار . وإذا مرضت فلا تتداو ، فإن قدر الله لك شفاءً شفيت ، وإلا فلن ينفعك الدواء .
فهل سيوافقنا على هذا القول أم لا ؟ فإن وافقنا علمنا فساد عقله ، وإن خالفنا علمنا فساد قوله ، وبطلان حجته .
10- المحتج بالقدر على المعاصي شبه نفسه بالمجانين ، والصبيان ، فهم غير مكلفين ، ولا مؤاخذين ، ولو عومل معاملتهم في أمور الدنيا لما رضي .
11- لو قبلنا هذا الاحتجاج الباطل لما كان هناك حاجة للاستغفار ، والتوبة ، والدعاء ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
12- لو كان القدر حجة على المعائب والذنوب لتعطلت مصالح الناس ، ولعمت الفوضى ، ولما كان هناك داع للحدود ، والتعزيرات ، والجزاءات ، لأن المسيىء سيحتج بالقدر ، ولما احتجنا لوضع عقوبات للظلمة ، وقطاع الطريق ، ولا إلى فتح المحاكم ، ونصب القضاء ، بحجة أن كل ما وقع إنما وقع بقدر الله ، وهذا لا يقول به عاقل .
13- أن هذا المحتج بالقدر الذي يقول : لا نؤاخذ ، لأن الله كتب ذلك علينا ، فكيف نؤاخذ بما كتب علينا ؟
فيقال له : إننا لا نؤاخذ على الكتابة السابقة ، إنما نؤاخذ بما فعلناه ، وكسبناه ، فلسنا مأمورين بما قدره الله لنا ، أو كتبه علينا ، وإنما نحن مأمورين بالقيام بما يأمرنا به ، فهناك فرق بين ما أريد بنا ، وما أريد منا ، فما أراده بنا طواه عنا ، وما أراده منا أمرنا بالقيام به .
وكون الله علم وقوع ذلك الفعل من القدم ثم كتبه لا حجة فيه لأن مقتضى علمه الشامل المحيط أن يعلم ما خلقه صانعون ، وليس في ذلك أي نوع من أنواع الجبر ، ومثال ذلك من الواقع ـ ولله المثل الأعلى ـ : لو أن مدرسا علم من حال بعض تلاميذه أنه لا ينجح هذا العام لشدة تفريطه وكسله ، ثم إن هذا الطالب لم ينجح كما علم بذلك الأستاذ فهل يقول عاقل بأن المدرس أجبره على هذا الفشل ، أو يصح للطالب أن يقال أنا لم أنجح لأن هذا المدرس قد علم أني لن أنجح ؟‍!
وبالجملة فإن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي ، أو ترك الطاعات احتجاج باطل في الشرع ، والعقل ، والواقع .
ومما تجدر الإشارة إليه أن احتجاج كثير من هؤلاء ليس ناتجاً عن قناعة وإيمان ، وإنما هو ناتج عن نوع هوى ومعاندة ، ولهذا قال بعض العلماء فيمن هذا شأنه : " أنت عند الطاعة قدري ، وعند المعصية جبري ، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به  [18]"  يعني أنه إذا فعل الطاعة نسب ذلك نفسه، وأنكر أن يكون الله قدر ذلك له ، وإذا فعل المعصية احتج بالقدر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن المحتجين بالقدر : " هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى " ([19]وعليه فلا يسوغ للعبد أن يحتج على معايبه ومعاصيه بالقدر .
وإنما يسوغ الاحتجاج بالقدر :عند المصائب التي تحل بالإنسان كالفقر ، والمرض ، وفقد القريب ، وتلف الزرع ، وخسارة المال ، وقتل الخطأ ، ونحو ذلك ؛ فهذا من تمام الرضا بالله رباً ، فالاحتجاج إنما يكون على المصائب ، لا المعائب ، " فالسعيد يستغفر من المعائب ، ويصبر على المصائب ، كما قال تعالى : ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) والشقي يجزع عند المصائب ، ويحتج بالقدر على المعائب "
ويوضح ذلك المثال الآتي :  لو أن رجلاً أسرع بسيارته وفرَّط في أسباب القيادة السليمة فتسبب في وقوع حادث ، فوبِّخ على ذلك ، وحوسب عليه فاحتج بالقدر ، لم يكن الاحتجاج منه مقبولاً ، بينما لو أن شخصا صُدِمت سيارته وهي في مكانها لم يتحرك بها ، فلامه شخص فاحتج بالقدر لكان احتجاجه مقبولا ، إلا أن يكون قد أخطأ في طريقة إيقافها .
فالمقصود أن ما كان من فعل العبد واختياره فإنه لا يصح له أن يحتج بالقدر ، وما كان خارجا عن اختياره وإرادته فيصح له أن يحتج عليه بالقدر .
ولهذا حَجَّ آدم موسى عليهما السلام كما في قوله صلى الله عليه وسلم في محاجتهما : " احتج آدم وموسى فقال له موسى : أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ، ثم تلومني على أمر قد قدّر علي قبل أن أخلق ؟ فحج آدمُ موسى"  أي : غلبه في الحجة" .[20]
فآدم عليه السلام لم يحتج بالقدر على الذنب كما يظن ذلك من لم يتأمل في الحديث ، وموسى عليه السلام لم يلم آدم على الذنب ؛ لأنه يعلم أن آدم استغفر ربه وتاب ، فاجتباه ربه ، وتاب عليه ، وهداه ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له .
ولو أن موسى لام آدم على الذنب لأجابه : إنني أذنبت فتبت ، فتاب الله علي ، ولقال له : أنت يا موسى أيضاً قتلت نفساً ، وألقيت الألواح إلى غير ذلك ، إنما احتج موسى بالمصيبة فحجه آدم بالقدر . [21]"
فما قُدِّر من المصائب يجب الاستسلام له ؛ فإنه من تمام الرضا بالله رباً ، أما الذنوب فليس لأحد أن يذنب ، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب ، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب " .[22]


خلاصة القول  :
إن القضاء والقدر هو موضوع يبين إنحراف التفكير عند الكثير من المسلمين عن سواء السبيل, ذلك لأن ديننا أمرنا بالإيمان بالقضاء والقدر, فآمن الأوائل منا وشمروا عن ساعد العمل بما يرضى الله, حتى إذا وضعت الفتوحات أوزارها, واطلع الناس على ثقافة الشعوب الأخرى وفلسفتها, برزت التساؤلات عن القضاء والقدر بطريقة عجيبة وغير مسبوقة, ثم أدخلت هذه البحوث في وسائل العقيدة وما هي من العقيدة بل هي من أفكار الباحثين والدارسين, وشأنها شأن الكم الكبير من المسائل والبحوث المنسوبة للعقيدة وهي منها براء ولاتعدو كونها معبرة عن أفكار أصحابها ومن تابعهم وليست ملزمة لكل المسلمين.
الآيات والأحاديث تحدثت عن القضاء والقدر في إطار الحديث عن صفات الله وقدرته وعلمه, فتحولت المسألة عند المتكلمين عن فعل العبد هل هو مخير أم مسير؟
ولو تتبعث القرآن والحديث لوجدت أن معنى كلمة " القضاء" وكذلك  " القدر" أنها من الألفاظ المشتركة التي تحتمل عدة معان..وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا ذكر القدر فأمسكوا" يعني إذا ذكر علم الله وتقديره للأشياء فلا تخوضوا في ذلك لأنكم ستخوضوا فيما لاطاقة لكم به.
   إنحرف مسار القضاء والقدر من مسألة إيمانية بقدرة الله وعلمه الى الخوض هل الإنسان مخير أم مسير وبناء عليه أثير البحث في مسالة الثواب والعقاب. فالموضوع ذو شعبتين:
شعبة شرعية وهي الإيمان بالقضاء والقدر على أنهما علم الله وقدرته التي تتجلى في خلقه دون الخوض في التفاصيل.
وشعبة عقلية وهي البحث في التخيير والتسيير والعقاب والثواب. فمن هذه الناحية نجد أن الإنسان يعيش في دائرتين وليس في دائرة واحدة:
فالدائرة الأولى يسيطر الإنسان فيها وتقع في نطاق تصرفاته وفيها تحصل أفعاله التي يقوم بها بإختياره وعلامة ذلك أنه يملك الفعل أو الكف عنه, وعلى هذه الأفعال يكون الحساب ومن ثم الثواب والعقاب.
الدائرة الثانية: تسيطر على الإنسان وتقع فيها الأفعال التي لادخل للإنسان فيها سواء صدرت منه أو عليه كان ينزلق إنسان فيقع على آخر فنقول هذا قضاء وقدر إذ لا إرادة للإنسان في الإنزلاق ولا إرادة للإنسان أخيه عليك. وكذلك كونك تتنفس الهواء فهذا فعل مسير فيه بقضاء الله وقدره.
إلى هذا الحد لا مشكلة في التفكير, وإنما ينشأ الخلل من خلط المفاهيم عندما يكون العمل إراديا للإنسان فإذا حدث منه مكروه نسبوه للقضاء والقدر تهربا من المسؤولية أو ركونا لعدم أخذ الأسباب وعدم توخي الحيطة والحذر الممكنين ومن هنا فالمسلم مسؤول عن كل فعل يفعله يحدث من جراءه الضرر بالآخرين طالما أنه مقصر في الحيطة والحذر وعليه يقع العزم. إن التهرب من تقصير الإنسان في عمله مرفوض بقوله تعالى" قل هو من عند أنفسكم".
والخلاصة أن العقل يحكم بأن الإنسان ليس مخيرا على الدوام في كل شيء وليس مسيرا على الدوام في كل شيء والقلب مؤمن بأن الله سيطر على كل شيء ولايعجزه شيء وهو عليم بكل شيء وانه لايظلم أحدا.
 لقد شاءت حكمة البارئ عز وجل أن يمنح الإنسان مساحة محدودة من الإختيار وزوده بقدرة محدودة لفعل ذلك وجعل له مدة محدودة يعيشها ووهبه العقل وأنزل إليه الشريعة وقال له آمن بي وافعل ما يرضيني ولك مني العون والثواب.
فإن أبيت فسيلحقك مني العقاب...فكيف يتيه فكر الإنسان ويتصور أنه أصبح مخيرا دائما أو مسيرا دائما. ولو نظر الإنسان الى مساحته المحدودة لعلم أنه لا سيطرة له على شروق الشمس ولاتعاقب الشتاء والصيف ولا إختلاف الليل والنهار فتواضع أيها المخلوق ولو نظر الى قدرته المحدودة وكيف ان موسم العمل فيها قصير لأن الطفولة ضعف وعجز ثم المراهقة طيش وتقلب ثم الشباب اندفاع وحماس...ثم الكهولة حيث  يتوفر العقل وتقل القدرة ثم الشيخوخة وهي ضعف وعجز وحكمة, فالأولى اغتنام العمر المحدود في العمل بما يرضي الله وإلا تضيعه في جدل لاطائل من ورائه ولا أمامه فحسبنا أن نؤمن بعلم الله وقدرته وحكمته وسيطرته على مخلوقاته وان نشمر ساعد العمل.
أمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره ونسالك اللهم إيمانا يصلح للعرض عليك, ويقينا نقف به في القيامة بين يديك, وعلما نفقه به أوامرك ونواهيك وفهما نعلم به نناجيك.








المراجع :


1- القرآن الكريم .
2-  فتح الباري بشرح صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، اشراف عبد العزيز بن عبدالله بن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الفكر ، بلا تاريخ . 
3-  صحيح مسلم للأمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، دار احياء الكتب العربية (عيسى البابي الحلبي وشركاه) الطبعة الاولى ، 1374 هجرية الموافق 1955 ميلادية ، باشراف محمد فؤاد باقي. 
4-  سنن أبي عبد الرحمن احمد بن شعيب النسائي، بشرح السيوطي وحاشية السندي، الطبعة الأولى ، المكتبة التجارية الكبرى ، 1348 هجرية الموافق 1930 ميلادية.
5-  المسند للإمام احمد بن محمد بن حنبل ، المكتب الاسلامي ، الطبعة الثانية،1398هجرية الموافق 1978 ميلادية .
6-  دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لأبي بكر احمد بن الحسين البيهقي ، دقق أصوله وخرج أحاديثه وعلق عليه الدكتور عبد المعطي قلعجي ، الطبعة الاولى عن عشر نسخ خطية ، 1405 هجرية الموافق 1985 ميلادية ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان .
7- الجامع الصحيح للألباني
8-  المعجم الكبيرللحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حققه  وخرج أحاديثه حمدي عبد المجيد السلفي ، الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة ، 1404 هجرية الموافق 1983 ميلادية .
9- جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، أبي جعفر بن جرير الطبري ، دار الكتب 1405 هجرية الموافق 1984 ميلادية ، بيروت لبنان .
10-   تفسير القرآن العظيم للإمام الجليل الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل ابن كثير القرشي الدمشقي ، دار المعرفة للطباعة والنشر ، 1388 هجرية الموافق 1969 ميلادية ، بيروت لبنان.
11- عبد الله ، محمد حسين، مفاهيم إسلامية ، الجزء الأول ، دار البيارق ، الطبعة الأولى 1417 هجرية الموافق 1996 ميلادية ، بيروت - لبنان .
12-  لسان العرب للعلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المعري ، تحقيق احمد فارس الشرياق ، دار صارد ، بلا تاريخ ، كتبت مقدمة المحقق بتاريخ 1300 هجري .



  



[1] - الصافات 96
[2] - أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث (1/ 298 ) عن عبد الله بن مسعود . وقد جاء من حديث أبي امامة وحذيفة بن اليمان وجاء مرسلا من حديث المطلب ابن عبد الله بن حنطب  .
[3] -  الإسراء 23 -
[4] - الحجر: 66
[5] -  الإسراء -  4
[6] -  آل عمران:47
[7] -  فصلت: 10
[8] - القمر: 49
[9] - القمر -49
[10] - فصلت 46
[11] - غافر 31
[12] - النساء 123
[13] - الدرة البهية شرح القصيدة التائية ص 18
[14] - يراجع ( أعلام السنة المنشورة 147 ) ( القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة للشيخ الدكتور / عبد الرحمن المحمود ) و ( الإيمان بالقضاء والقدر للشيخ / محمد الحمد )
[15] - مجموع الفتاوى ( 8/179)
[16] - الأنعام/39
[17] - النساء/165
[18] - مجموع الفتاوى 8/107
[19] - مجموع الفتاوى 8 / 262
[20] - رواه مسلم ( 2652 )
[21] - انظر الاحتجاج بالقدر لشيخ الإسلام ابن تيمية ( 18 – 22 )
[22] - شرح الطحاوية ( 147 )

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

مرات مشاهدة الصفحة

جميع الحقوق محفوظة

النجباء

2016